أسطورة القديس فالنتين التي أشعلت شرارة عيد العشاق السنوي في عالم اللاحب والحرب:

ككل سنة، تحتفل شعوب العالم إلى جانب مجتمعنا التونسي بذكرى عيد الحب يوم 14 فيفري على وقع طبول الحرب في سوريا و العراق والمدرعات الحديدية التي تقصف يوميا مخيمات اللاجئين بفلسطين وآنين الجثث التي يلفظها جوف البحر المتوسط الهاربة من واقع مجتمعي سيء طمعا في جنة الخلد الموعودة. يأخذ العام اليوم هدنة قصيرة في مفارقة كبيرة بين السلام والحرب، ليحتفل بعيد الحب ويتذكر إنسان ما بعد الحداثة أن بداخله قلبا ينبض بالحياة والمشاعر الفياضة وبدونه يتحول إلى مجرد صنم بارد لا قيمة له.

منذ بروزها على وجه الأرض، كانت الذات البشرية متفننة في تخليد قصص الحب وأساطيره حتى أنها صنعت تماثيل وآلهة لها. ففي الأساطير اليونانية، كانت أفروديت ابنة زيوس وديونة أوقيانوس آلهة للحب والشهوة والجمال والانجاب. ومنذ العصور الوسطى، ارتبط يوم 14 فيفري بذكرى القديس الروماني المسيحي فالنتين. حيث كان هذا الكاهن في القرن الثالث ميلادي يعمل على تزويج الجنود العشاق سرا في الكنيسة دون أن يأبه لغضب الامبراطور كلوديوس حينها. ففي العهد الروماني كان يعاقب كل من يمارس التقاليد المسيحية في تكريس عبادة الأصنام، وهو ما إلى اعتقاله وقطع رأسه خارج « بوابة فلامينيا » احدى بوابات روما القديمة يوم 14 فيفري سنة 269 ميلادي.

فأصبح منذ ذلك الحين القديس فالنتين عنوانا للحب وشهيدا للعشق ضحى بحياته لأجل زواج الأحبة. وتحول يوم 14 فيفري منذ عام 496 ميلادي بأمر من البابا الكاثوليكي غلاسيوس يوما للقديس فالنتين للإحياء ذكراه. وقد قام Jacobus de Voragine سنة 1260 بطباعة قصته ونشرها فيLegenda Sanctorum  إلى أن أصبح في نهاية المطاف في القرن الثامن عشر عيدا للحب.

و عديدة هي القصص التي ألهبت فتيل التاريخ لتملأ جعبته وتلون تفاصيله الصغيرة، منها ما هو مخلد في ثنايا صفحاته ومنها ما لم يتم تدوينها. لكنها مع ذلك تظل محفورة في المخيال المجتمعي ليتغنى بها بين الحين والأخر في جلسات المسامرة وموروثه الشعبي. وفي هذا السياق، يمكن أن نستحضر أشهر القصص التي لا تزال تسيل حبر كتابها، وأولها قصة حب غادة السمان وغسان الكنفاني. وهي قصة ابتدأت منذ ستينات القرن الماضي، حيث كان غسان متزوجا من فتاة كندية من ثم تعرف على فتاة سورية مسلمة تدعى غادة السمان .

جمعتهما في البداية معرفة عابرة في جامعة دمشق وبعد ذلك شاءت الأقدار أن يلتقيا مجددا في إحدى الحفلات الساهرة في القاهرة وفي تلك الليلة وبعد جلسة محادثة طويلة اشتعل فتيل الحب بينهما لكن القيود الاجتماعية والدينية حالت دون وصالهما. لكن غادة لم تقف في وجه مشاعر غسان وكلماته، فكانت سماء الأدب والإبداع الملتقى. ونشرت بعد عشرين سنة من اغتياله على يد الموساد الصهيوني كتابا يثمن رسائلها المتبادلة بعنوان: » رسائل غسان كنفاني إلى غادة سمان ». من بين هاته الرسائل نورد التالي: « غادة لغسان: لم أقع في الحب، لقد مشيت إليه بخطى ثابتة مفتوحة العينين حتى أقصى مداهما، إني واقفة في الحب لا واقعة في الحب، أريدك بكامل وعيي »، ويرد غسان: » عزيزتي غادة، أراك دائما أمامي، أشتاقك، أعذب نفسي بأن أحاول نسيانك فأغرسك أكثر في تربة صارت كالحقول التي يزرعون فيها الحشيش، مأساتي ومأساتك أنني أحبك بصورة أكبر من أن أخفيها وأعمق من أن تطمريها ».

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لنا أن نستحضر قصة حب الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر صاحب « الوجود والعدم » وتلميذته الكاتبة والمفكرة الوجودية صاحبة الكتاب الشهير « الجنس الاخر » سيمون دي بوفوار. فرغم رفضها طلب زواجه، إلا أنهما عاشا إلى الممات حياتهما الفكرية والعاطفية والجنسية والنضالية جنبا إلى جنب وقد نجحت قصتهما في تخليد مادة إبداعية شغلت النقاد والقراء إلى حد الآن.

لكن الحب لا يمكن اختزاله في العشق بين الحبيبين، إذ أن طاقته يمكنها استيعاب كل المسميات والموجودات وتعمر الأرض والسماء وتعبر المحيطات والقارات. فالأهم في الحب، أن تحب ذاتك وتقدرها وتحترم مشاعرك وتتحمل مسؤوليتها دون خجل. وان تسخر هاته الطاقة لحب أعز أصدقائك وعائلتك ووطنك وخاصة أهدافك التي تعمل على تحقيقها. فصحيح ان للحب عيد، لكنه ليس سنويا، إنه خبزنا اليومي ومتنفسنا من مآرب الحياة ونشوة الانتصار على مصاعبها. فكم يحتاج هذا العالم لجرعات مكثفة منه حتى ينفض عنه غبار الحزن ودماء الابرار وصرخات الثكالى. لا تحتفلوا بالحب ليوم واحد بل اجعلوه عيدكم اليومي.