إيمان الرياحي: » لن يكون مروري في هذا العالم مرور الكرام دون أن اترك بصمتي… وأثري سيكون من خلال ناسcreative

 في زمن ما بعد انتفاضة 14 جانفي، أصبح مجتمعنا التونسي يعيش حالة من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية إضافة إلى تواتر صراعاته السياسية اليومية. وقد ساهمت رياح هذا التغيير بالعصف بآمال العديد من الشبان والتأثير على نفسيتهم، فهناك من دفعه يأسه وإحباطه إلى ركوب أمواج البحر العاتية والذهاب بعيدا عن هنا أملا في تذوق رغد العيش بالجنة الأوروبية الموعودة دون أدنى خشية من الموت.

لكن في المقابل، هناك من اختار المواجهة هذا الواقع الاجتماعي والتشبث به من أجل محاربة أزماته بواسطة أساليبه الخاصة. متسلحا بحبه الشغوف لوطنه ومتشبثا بحلمه في إرساء واقع أفضل، و هو ما تعمل على تحقيقه محدثتنا إيمان الرياحي الطالبة بالسنة ثالثة لغة وحضارة عربية في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية (9 أفريل) بتونس ومؤسسة ناسcreative.

في سن لا يتجاوز العشر سنوات، غاصت إيمان في الأدب وأحبته. فعوض أن تلعب مع باقي الفتيات بالدمى المتحركة، اختارت ايمان صنع عالمها الخاص والبحث عن هويتها بمفرداتها الخاصة خارج النمط الاجتماعي السائد جاعلة من الكتب والأقلام والدفاتر أصدقائها في السرّاء والضراء. حيث كانت دائمة التردد على المكتبات ودور الثقافة والشباب لتخوض مغامرات التعلم واستكشاف الذات.

تتميز إيمان بشخصية ديناميكية نشيطة، حيث خاضت العديد من التجارب في العمل الجمعياتي مثل الهلال الأحمر التونسي و BBC Atcion، مما ساهم في تطوير مهاراتها وقدراتها ورؤيتها نحو المستقبل. ومع بلوغها سن 20 سنة، قررت إيمان أن تسلك الخطوة الأولى في طريقها نحو حلمها ووضع حجر الأساس. إذ أن شغفها بالعمل الصحفي قد شكّل دافعا حافزا لتأسيس ناسcreative بغاية إرساء صحافة اجتماعية بديلة تمكن الشباب التونسي هامشا من الحرية للتعبير عن آرائه ومواقفه وطموحاته.

فعوض أن يكتب العالم عنه، لما لا يكون الشباب التونسي خير متحدث عن نفسه بحيث تصبح ناسcreative بمثابة قناة تواصلية بين هذا الفاعل الاجتماعي وعالمه الخارجي ومرآة عاكسة لأوضاعه الاجتماعية على لسان قلمه؟ وهكذا ولدت ناسcreative، وهي مجلة إلكترونية شبابية مستقلة تأسست بالشراكة مع الفضاء الأمريكي. يتكون فريقها من 15 فردا من انحدارات اجتماعية وثقافية واختصاصات علمية مختلفة، تمّ اختيارهم وتكوينهم في أخلاقيات الكتابة الصحفية.

 على الرغم من اختلافاتهم، توحدوا من أجل تحقيق حلمهم في زرع بذور التغيير في وطنهم الأم بأناملهم الشبابية وروحهم الخلاقة والمبدعة حيث تقول ايمان في هذا السياق: » أعلم أن جيلنا لن يدرك الواقع الذي نريد، ولكننا على الأقل سنكون قوى التغيير وسواعده، وبذور الأمل التي ستنير أرض وطننا لتتفتح زهوره ويفوح عبيرها للأجيال القادمة… فلن نبخل بذرة عرق أو تعب، سنظل نعمل إلى ما لا نهاية من أجل تونس ».

ومن هنا تأتي دلالة تسمية هذا المشروع المستمدة من رحم الإبداع والمقاومة الخلاقة التي تحوّل عتمة الظلمات إلى نور يضيء كل أرجاء الكون. ومن أهم المشاريع التي أنجزها ناسcreative هي معالجة ظاهرة الحرقة بأسلوب مختلف وطريف، فبالشراكة مع المنظمة الدولية للهجرة قامت ايمان رفقة فريقها العملي بتأثيث حلقة نقاش حول الهجرة. حيث تم عرض مجموعة من الأفلام القصيرة وقصص نجاح شبابية تونسية تشبثت بوطنها وصنعت من عدمية واقعها معنى لفعل وجودها بالحياة. بالإضافة إلى الخبراء والمختصين في علم النفس والقانون.

وإلى جانب ناسcreative، تسعى ايمان دوما لمحاربة واقعها الاجتماعي عبر الموسيقى والكتابة الأدبية والنثرية لترسم بريشتها الفنية وجودها الاجتماعي على النحو الذي تريد واهبة عمرها الصغير لوطنها تونس. وهذا يعود بطبيعة الحال لفعل وعيها بانتمائها الاجتماعي والجغرافي وحسها المواطني الذي يدفعها دوما لأن تكون في الصفوف الأمامية لمشاركة في عملية التغيير.

ولا يسعنا أن نختم مقالنا إلا على هذه الكلمات المنبعثة من قلم ايمان المتمرد على سادية وضعها الاجتماعي والمقتطفة من نص رسالتها لتونس:

 » أنا يا تونس الجميلة فيك عايشت الغربة و الأنين، انتخب شعبك جنة المستقبل فجعلوك جحيم، يأس اليأس مني ومازلت أنتظر المطر، أنتظر الرعود و الغضب كي ينهمر، يتساقط على رؤوسهم كدموع امرأة على ولدها ينهمر، أنتظر المطر أنتظر السفر أنتظر الوطن، دعي عنك الحداد و انزعي يا تونس السواد، أرقصي على جثث موتاك على أنغام نشيد الوطن، ارثي موتاك كما رثت الخنساء صخر، ارقصي و الدمع من عينيك ينهمر، وانتظري المطر ».