الأنا العنصري: مقاربة انتربولوجية في علاقة المواطن التونسي بالآخر المختلف عنه!

تونس، الثورة،الشعارات و المطالبة بالحريات و المحاولة الدائمة للتأقلم مع كل الوضعيات و السياسات! وجوه باردة، شاحبة ويائسة تبحث عن الأمل. عجائز  تفكر في الغد . شباب تعيس غارق في الألم. ثقافة جامدة، مرهقة، مليئة بالعدم. مجتمع غاص بحروبه الذاتية و العامة  في الشلل.

ويبقى السؤال الذي يجب طرحه: هل هذا المجتمع الذي نحلم به؟

حينما نتحدث عن المجتمع فنحن نتحدث عن الآخر أو الغير. ويمثل حضور الغير ضرورة بالنسبة لسارتر بحيث لا يمكن أن نفهم خصوصية الوجود الإنساني بمعزل عن هذا الحضور، غير أن ما يجب أن ننتبه إليه منذ البداية أن المشكل الأصلي لدى سارتر لا يتعلق بالغير فالغير لا يكتسب قيمة في ذاته وإنما يطرح سارتر مسألة العلاقة مع الغير في إطار رهانه الأولي المتعلق بقيمة الحرية بما هي القيمة الدالة على فرادة وخصوصية الوجود الإنساني على نحو كوني. فإذا ما كان الصراع الذي ينقاد إليه الأنا عند هيقل هو من أجل انتزاع اعتراف الآخر بسيادة هذا الأنا وتكريس حريته مقابل عبودية الآخر فإن قيمة الحرية  عند سارتر هي التي تؤجج الصراع أصلا من أجل الاحتفاظ باستقلالية الأنا، أي الأخر القادر على انتزاع قوة و قيمة الأنا و حريته و خاصيته و تعطيل مسار تطوره و فرضه لثقافته مع وجود صراعات تكرس الإختلاف.

بالتالي الغيرية كمفهوم يخضع إلى حد من النسبية في التفسير و التطبيق و خصوصاً في التعامل معه من ناحية إختلاف الرؤى، أي بما يعني الغير، الأخر اكتشافه نابع عن دوافع فضولية اكتشافية تفسيرية للإنسان المختلف سوى إن كان يشاركني نفس الرقعة الجغرافية ، الزمان ، الثقافة.

أساساً تطور مفهوم الأخر المختلف ثقافياً، إجتماعيا، وعقائدياً. وقد كان ذلك مع تطور البحوث الأنثربولوجية ففي ذروة الأنثروبولوجيا كعلم للإنسان يبحث في كل ما يجعل من الإنسان كائن مميز يخلق من مراحل حياته  معنى و ثقافة يعيش بها و يتفاعل بها مع الأخر ، فالنسبة لبعض الباحثين، الأخر كان يمثل مصدر للدراسات، النظريات و خصوصا إستعمال الأخر كموضوع تنظير نخبوي، متعالي، بمعنى أتيناكم بالعلم لتأطيركم وهذه بالأساس إستراتيجية سياسية استعمارية بحتة و إلى حد الأن تمارس كمذهب طبيعي، هي بمثابة التجارة حرفيا بأختلاف الأخر أو حسب نظرتهم تدنيه الفكري ومعاملة الأخر في البداية أو بالأحرى من خلال توظيف نزعة جوهريةأولية للإنسان العنيف بطبعه، العدواني و النرجسي بما يتعلق بخصائصه البيولوجية و الثقافية.

فمثلا، الانثربولوجي ريمون دارت Raymond Dart، الذي اكتشف اول متحجرات القرد الجنوبي عام 1924 لم يكن خجلا من استنتاج ان هذه البقايا القديمة لسلالة الانسان » أكّدت القتلة: مخلوقات آكلي اللحوم الذين سيطروا بالعنف على تلك الكائنات، فكانت العقوبة بالموت، يمزقون أجساد ضحاياهم ويقطعون أذرعهم، مشبعين عطشهم لدماء الضحايا الساخنة، ملتهمين بنهم تلك الأجساد التي تتلوى من الألم ». في كتابه الواسع الانتشار، (التطهير العرقي الافريقي، 1961)، الكاتب Playwright Robert Ardrey اعتمد رؤية Dart عندما أعلن بأننا « نحن أولاد آدم.. الإنسان هو حيوان مفترس، غريزته الطبيعية هي القتل بالسلاح. إنها الحرب والغريزة للاحتلال هي التي قادت للإنجازات العظمى للإنسان الغربي. الأحلام ربما شحذت حبنا للحرية، لكن الحرب والسلاح هما فقط من جلبها لنا ».

كل هذه الدراسات، البحوث و النظريات نتجت بفضل وجود الأخر الذي أدى إلى إكتشاف خصائص مختلفة من نواحي عديدة لمن يمثل مفهوم الغيرية، عودةً إلى أن الأخر يمكن أن يشاركنا نفس المكان ، التاريخ والثقافة تطورت هذه الفكرة مع تيار أنثروبولوجيا العالم المعاصىر التي تسعى للبحث عن الأخر الذي فينا، القريب منا، الأخر الذي يختلف في تفاصيله الدقيقة و يكون بذلك وضعية إجتماعية بتفاصيله الكلية حسب نموذج مطابق للبيئة المتعايش فيها سوى بتطبيع الأحداث التي بدورها تخلق في توزان إجتماعي، سياسي، وثقافي بالأساس أو بالتماشي الأعمى مع هذا النسق لمجرد الرغبة في عدم تصنيفه كأخر أو كمتمرد ثقافي.

ورغم هذه المجهودات الشعبوية إلاّ أن مفهوم الغيرية يخضع لهرسلة و تشويه فكري  أو بما يسمى بالتلاعب الاستراتيجي لنصل بهذه الفكرة وهذا المفهوم العميق ليتوسع منه مفهوم العنصرية الذي بدوره يمثل من العمق نسبة مهمة ظاهريا و عمليا فقد تجاوز مفهوم العنصرية مسألة الأعراق، لون البشرة والأديان وغاص في أبعاد أكثر قصوى تجاوزت الإختلاف البيولوجي، الثقافي و تٌّخضع كل ما يمثل تفصيل مختلف لشخص عن الأخر لإستعماله كنقطة سيطرة ، تلاعب و سخرية أو أساساً كره مجاني لمجرد التعالي على الأخر المختلف في لغته الريفية ، مستوى معيشته، ذوقه الموسيقي، هندامه، حواجزه البيولوجية أو العقلية(إعاقة).

هذه المواقف هي في الحقيقة سلاح ذو حدين و حسب ما يتطلبه سياق المعاملة فحسب ما يراه المواطن ياسين  » أنا لا أرى إستعمالي لكلمة كحلة (أسود) لمناداة صديقي أسمر البشرة تصرفا عنصريا خصوصاً لإرتياحي في التصرف معه و بما أنه يقبل بذلك فالأمر أصبح طبيعي ؛ على عكس ما أضافه ياسين كنقيض لأطروحته الأولى كون السياق هو الذي يفرض مفهوم العنصرية و استعماله لتسميات او استفزازات معينة ففي منظور أخر يصبح إستعمال مفردة كحلة كسخرية في حالات التشنج او العراك »

مثل أيضاً ما يمارس ضمن العنصرية في الدين ففي ثقافتنا كتونسيون مسلمين بالأغلبية « الكمية » نعبر دائماً عن التسامح و قبول كل الأديان السماوية لكن هيهات إن تغير السياق السلمي و تحول إلى حرب مباشرة أحيانا، غير مباشرة عادة و يتحول الإنسان إلى وحش مدمر لنفسية وإحترام الأخر و حرمته إلى شتمه حتى في دينه و ذلك يندرج ضمن حتى الأمثال الشعبية  » إذا ريت اليهودي يضحك لمسلم أعرف راهو بش يغشو » أي بما يعني إذا رأيت يهوديا يضحك في وجه المسلم فإعرف أنه سوف يخدعه أو يغشه، نجد أيضا مثل  » كول ماكلة اليهود و أرقد في فرش النصارى » أي بما يعني عليك بأكل طعام اليهود و لكن لا تنام عندهم بإعتبار نجاسة أبدانهم.

توجد العديد من هذه التصرفات العنصرية التي لا حد لها رغم  تبنى البرلمان التونسي مشروع قانون يهدف للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري حيث صوت لصالحه 125 صوتا، « مقابل صوت واحد ضده، في حين امتنع خمسة نواب عن التصويت ». أي بما يعني قانونيا الأمر محسوم و محدد فهل المشكل في القانون، أم في النظام ؟ أم المشكل في من صنع النظام بثقافته؟

هذه الثقافة التي بدورها تعتبر زخما من السياسة والمجتمع والبناء المعمار والوضع البيئي. وعلى الرغم من سيولة القانون ظاهريا و تطبيقياً من ضمن نظام هش لا يمكن أن ننكر أن هذا النظام  يغطّ في سبات ثقافي هائل. لنسأل في النهاية: كيف يمكننا خلق المجتمع الذي نحلم به؟

سارة الماجري