السينما في الكاف: هجرة دون عودة !!

تهدينا السينما هروبا مجانيا من واقع مرير شوّهه اليومي باكتضاضه و اغتصبه الروتين فغدونا آلات استهلاك و هو ما حوّلنا من كائنات تفكر و تنتج الى قطيع يقلّد و يستهلك و يتكاثر فقط. فالسينما كفكرة يمكن ان نعتبرها بديلا لما نعايشه من ركود و خمول و جفاف يسكننا جسدا و روحا و يكتسحنا قلبا و قالبا.

بيدأن السؤال الذي يستفز عقولنا اذا ما فكرنا طبعا لم مات هذا الحلم فينا؟ لم هرب هذا الهروب الوقتي منا ؟ فتناسينا و فرّطنا و قزمنا هذا الفن رغم توفر الوسائل و الامكانيات. و كأنّ هذا الثوب قد أُحيكت خيوطه شكلا و مقاسا و تفصيلا الى ولاية الكاف التي كانت قديما تشهد عرسا موسميا يستعد له كل حامل لهذا الأصل حيث كانت السينما تولد مع الرضّع و ترافقهم دون فراق من المهد الى الموت.

قصة عشق و ولع بل انتماء تربّى عليها الكافي مثلما تربّى على المنسيات و الكانون و برد الثلوج تعتلي قمم الجبال. لنلقي نظرة الى الوراء و لنعد بالذاكرة معا محاولين رفع الستار على هذا الماضي الثري و نفض الغبار من على صفحاته و حتما سنجد ان أول قاعة سينما فالجمهورية دُشّنت فالكاف وتحديدا في معتمدية الجريصة سنة 1910.

عُرفت هذه المدينة رغم صغر مساحاتها و كبر حبها للفن باعتباره حجرا أساسيا في بناء شخصية الكافي المنفتحة على السينما فحريٌّ بنا أن نذكر دورا أخرى مثل سينما پاتي و سينما سيرتا « CIRTA » وسط المدينة و هنا لنقف لحظات نتخيّل سويا مشهدا دافئا لعائلات رجالا بالبرنوص و القشبية و نساءً بالسفساري واضعين اليد فاليد قادمين من كل صوب و حدب افواجا متعطشين لمشاهدة فلمًا خصصوا له ميزانية ثابتة: رجالا انتظروا رواتبهم مراهقين جمعوا سعر التذاكر مليما تلو الآخر حبيب و حبيبته اختارا قاعة السينما كشاهدٍ على حبهما كل هؤلاء واقفين صفوفا حاشدة ليقطعوا تذاكر لا تتجاوز أسعارها 180 فلسا مستعدين استعداد المحارب للحرب لعلّ الروح تعود للجسد من جديد متشبهين ب »العيس فالبيداء يقتلها الضمأ ».

لنعد الآن من الماضي مثقلين بالحسرة مبحلقين في الحاضر بكل تمعّن وتركيز ناظرين اليه من بعيد بعين ناقدة تارة و متحسرة تارة اخرى ..تحولت دور السينما من مكان تسكنه روح الحياة و الفن الى أطلال تنعق فيها البوم و الغربان جدرانه مهجورة رسم الموت وجهه البشع على بياضها و وجد الخراب مستقرا له فيها ..فسينما سيرتا باتت اليوم مبيتا جامعيا خاصا للفتيات و سينما پاتي تحولت الى قاعة ألعاب لعب فيها الاستهتار و البرود بعقولنا كما شاؤوا.. أما سينما الجريصة فهجرته الفنون كما تهاجر الطيور بين المواسم غير أن هجرتنا يبدو أنها أبدية و بلا عودة فألفينا الأقلام و الأفلام و السيناريو و رواد السينما مجرد فكرة عاشت فالماضي و دفنها الحاضر بين الغبار و الأتربة. غبار غطى العقول كما غطى الأعين و زادها رمادا على رماده هذا ما يفسر ضبابية المشهد و غموضه.

أين نحن من النور؟ أين نحن من رقصة الفن على طبول الأوجاع؟ أين نحن من صورة جماعية افتكتها العواصم و المدن الكبرى فحُرقت ملامحنا و مات الفن فينا؟ أين نحن من كذبة « الكاف عاصمة الفنون » ؟؟؟؟ يبدو انهم نسونا في فلم قديم مات الممثلين فيه…