الملالية: موسيقى ضاعت بين متاهات الماضي و الحاضر

قبل الغوص في أصل الملالية كنوع غنائي حري بنا أوّلا تخيّل المشهد الذي يسبق ولادتها..عروس تتلحّف بحوليّ أخضر تفاؤلا بالخصوبة و العيش الزهيد يزيّنه عقد من العنبر وتاج من الذّهب يعلو جبينها. وخلخال دار حول ساقها..صديقات و جيران و أقارب و أهل زادوا الجو احتفالا وكلّ يعبّر عن فرحته بطريقته.بخور يرسم ابتسامات في الجو وطبول لا تعرف للصمت أو التعب طريق.وعروس تنتقل من قبيلتها الى قبيلة جديدة فيها سعادة أو بؤس لسنا ندري بيدأن الرّاعي يدري..
الملالية نوع غنائي انقرض مع طيّات الزمن يتراوح تعريفه بين الخرافة و الحقيقة. لننفض الغبار على الحكاية لتتضح سطورها كالاتي:
عاش الناس قبائل متفرقة تخضع لأعراف قبائليّة متفقين عليها حيث كانت النساء عنصرا فاعلا احترامه واجب وقيمته محفوظة و الزواج هو انتقال من قبيلة الى أخرى أي مخاطرة لانعرف نهايتها أو ربما تجربة قد تنتهي امّا بسعادة سرمديّة أو بؤس غير متوقّع
تخرج العروس من بيت أبيها و من قبيلتها الأصلية ذاهبة الى مصير لا تعلمه بعد وهنا يأتي دور الرّاعي الذي هو بمثابة المرسول الحامل لرسالة سريّة حيث يزور جميع القبائل لترعى أغنامه من خيراتها فتلمح العروس خياله لتلقّنه بعض الكلمات المشفّرة على شكل أغنية يحملها الى عائلتها..يستمع اليها تدندن بصوت خافت فيحفظ الكلمات و يعود مكررا اياها لتسمعها أمها فاذا ماكانت الأغنية سعيدة فهذا بالضرورة يعكس سعادة ابنتها أمّا اذا كانت حزينة تروي قصّة عناء تذهب الأم لاسترجاعها ..تلك الأغنية التي يسمعها الرّاعي و يعيدها هي ماتسمّى بالملالية هذا ماتقوله الخرافة.
أما التعريف الحقيقي أو العلمي للملالية يقول أنها نمط غنائي وجد في الكاف والشمال الغربي عامّة و في شرق الجزائر وهذا يعود الى أصلها الأمازيغيّ فالملالية هي نمط غنائي أمازيغي شاويّ و تنقسم الى أجناس مختلفة منها ملالية يحياويّة و ملالية نموشيّة و ملالية صالحيّة بدورها تنقسم لملالية صاليحيّة مثلوثيّةو ملالية صاليحيّة شهيديّة وملالية صاليحيّة مثلوثيّة و ملالية ركروكي وملالية طواحي و ملالية عبيديّة..
هذا النمط الغنائي المغري و الثري خاصّة قديم قدم وجود الانسان و الحياة في ربوع شمال افريقيا مفتكا حرّيته و فاكّا لقيود الزمان و المكان حر حريّة الوجود و حريّة الشيخ الحاج عمّار بورقعة الذي يعتبر من الناس النوادر الذين غنّوا و حفظوا الملالية بعيدا عن كل أشكال السمسرة و الرداءة و الاستهلاك وهذا مثال ربّما يوضّح مفهوم الملالية:
يازوز خوالي..لانسبة ولانقرب ليكم
أعطوني وردة نخطيكم
ومابهى الأحباب كي يتلاقوا
ياناقة أفلي..وأفلي في سوايح الجردة
المسعي و حبيبتو وردة
المشينة الكحلة راي تمشي الفاقو عالفاقو
ومابهى الأحباب كي يتلاقو

اذا ماكانت الملالية رسالة سريّة تحمل بين كلماتها و ألحانها قصّة واقعيّة تعكس بهاء الحياة أو صعوبتها ..واذا ماكانت منقذا نبيلا خلق ليترجم نيرانا اشتعلت في القلوب أو ابتسامات غابت واذا ماكانت حروف تخرج من تحت الروح المثقلة واحسان يسافر من قبيلة الى أخرى لماذا انقرضت و أين فن الشارع و الفن البديل من هذا؟ هل هو قادر على ترجمة مأساة و هل يرتقي لأن يكون انعكاسا لأمل دفن تحت الأوجاع؟؟ هل هو طريق الى اليقين كما كانت الملالية طريق الى الحقيقة؟؟