تظاهرة « Bookworming »: حول الكتب والحب والحياة:

يقول عبد الوهاب مطاوع: « بعض الكتب تحس بالندم لأنك لم تتعرف عليها من قبل » وأنا أقول في نفس السياق « بعض التظاهرات تحس بالندم لأنك لم تتعرف عليها من قبل » ومنها تظاهرة « bookworming » التي نظمها شباب مازالوا يخطون أول خطوات العمر. واختاروا أن تكون هذه الخطوات عبر حبهم للكتب.

تظاهرة « bookworming » كانت عبارة عن جمع بين اللغات الثلاث (العربية -الفرنسية- والانجليزية) ممثلة عبر ثلاث كاتبات اخترن الكتابة والتعبير كلّ باللغة التي تفضلها. إذ انقسمت القاعة إلى ثلاث حلقات كبيرة التف حولها شباب ومراهقون ليستمعوا إلى المدعوات يحدثنهم عن عشقهن للكتابة وينرن لهم الخطوة الأولى في طريق الكتابة الرائع رغم مشاقه.

وقد كنت من بين المدعوات لإحياء هذه التظاهرة والتحدث عن الكتابة والكتب باللغة العربية. وهو ما دفعني للتحدث هذه المرة بصفتي الشخصية ككاتبة رأت في عيون أولئك الشباب الذين أتوا ليستمعوا إليها في تلك الأمسية الباردة ما لم تره خلال حفلات التكريم الفخمة ومحافل التوقيع المزركشة.

الأمل يسكن في عيون هؤلاء الصغار، العمر ليس إلا رقما أمام ثقتهم وروحهم المتوقدة وانفتاحهم على الحياة وكل ذلك الحب الذي يرسلونه في كل لحظة لكل ما يفعلونه في حياتهم: العائلة والدراسة والنشاطات المدنية التي تسعى لرسم الابتسامة على وجه المجتمع المحبط. حينما نتحدث عن المجتمع الإيجابي، لن يكون للحديث معنى إلا حينما يكون مصحوبا بهؤلاء القادة الصغار الذين عرفوا أنّ البناء الجقيقي لن يكون إلاّ عبر العودة إلى الأصل: حب الأشياء التي اختطفتها التكنولوجيا منا مثل الكتب…

تسعدني زيارة متاجر الكتب كثيرا، أحب رائحتها وأحب معانقة عناوينها ولكن ما بات يسعدني أكثر هو أن أرى ازدياد عدد القراء يوما بعد يوم. قراء يرفضون قراءة PDF احتراما للملكية الفكرية ويفضلون الاقتصاد في مصاريفهم كي يستطيعوا امتلاك كتبهم الخاصة، قراء يناقشون الكاتب ولكنهم لا يخفون انبهارهم به. قراء يعرفون أن الطريق مازالت طويلة ولكنهم لم ينقطعوا رغما عن ذلك عن المشي فيها.

يقول فيودور دوستويفسكي « الشتاء بارد لمن لا يملكون الذكريات الدافئة ». قطعا تلك الأمسية لم تكن باردة، خٌلق رابط بين الكتب والقراء وبيني، وعبر الحرف والألم والذاكرة نبت رابط وثيق مع كل تلك العيون التي كانت تحدق بي وتتلقى شذرات من تجربتي الفتية. الابتسامات التي ارتسمت على الوجوه مزينة بالأمل والثقة هي ما جعلتني أكتب هذا المقال. ويراودني السؤال الذي حيرني طويلا منذ بدأت الكتابة: لماذا نكتب في نهاية الأمر؟

لقد أجبت عنه أخيرا: إننا نكتب من أجل هؤلاء. من أجل هذا الجيل الذي وجد نفسه في مجتمع ممزق بين الماضي المكبل والثورة التي انفرجت عن احباط كبير. نكتب من أجل هؤلاء الذين يحتاجون أشخاصا يقودونهم بسلام لتسلم مهمتهم في النهوض بهذا الوطن. نكتب من أجل الشباب، من أجل الفن ومن أجل الثقافة: الأعمدة الثلاثة التي لا يمكن أن يقوم مجتمع حقيقي إلا عبرها.

ختاما، هذه التظاهرة التي حضرتها في اليوم العالمي للغة العربية (18 ديسمبر) في فضاء نجمة الشمال بالعاصمة تعتبر بحق اسما على مسمى: هو دفء الكتب الذي غمرني ولكن الأكثر منه: دفء الحب الذي يشع من عيون تلك الثلة من الشباب التي آمنت بالكتب، وآمنت بقدرتها على التغيير. وأقول كما اعتدت في النهاية: « لنا الفن والثقافة كي لا يقتلنا عفن الواقع. لنا الفن والثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة… »

غادة بن صالح