تظاهرة « Interference »: في الولادة الجديدة للمدينة العتيقة بتونس

يكتسب الكون في حضرة الليل سحر خاص، بوجه باسم يبزغ القمر في جوف السماء وتصطف النجوم الذهبية من حوله ويرقص السكون على محيط الأرض فينتشر السلام ويعمّ الهدوء في أرجائها بعيد ضجيج يوم طويل. فكيف إذا ما امتزج الليل بالضوء، وإنعكست ظلاله على شقوق الجدران القديمة للمدينة العتيقة بتونس بشكل يوحي بولادتها من جديد في ثوب معاصر. فتراه يتفنن في تشكيل لوحات  فنية ذات مواضيع وألوان مختلفة ترسخ في الذهن، كل من شاهدها لا يستطيع نسيانها لشدة عمق مضمونها وجمالية رسالتها.

على امتداد أربعة أيام من الأسبوع المنقضي ما بين 6 إلى 9 سبتمبر 2018، شاهدنا المدينة العتيقة بتونس بصورة جديدة امتزج فيها الفن المعاصر والضوء بالتراث المعماري. فأنتجت مساحات فنية ناقدة لبعض من الظواهر الاجتماعية التي يعيشها مجتمعنا التونسي وأبرزها مشكل التلوث البيئي. لوحات كانت مستوحات من الهندسة المعمارية للمدينة ومحمّلة بما يجول في جعبة الفنان الصانع لها.

يأتي هذا التغيير في الوقع الحركي والزمني للمدينة العتيقة بتونس وترانيمها نتيجة استضافتها للدورة الثانية من المهرجان الدولي لفن الضوء المعروف ب »Interference » بعد أن أقيمت نسخته الأولى سنة 2016 على يد كلّ من المهندس المعماري أيمن غربي و Bettina Pelz. إذ يعدّ هذا المهرجان الأوّل من نوعه في إفريقيا، حيث يرمز اسمه التداخل والتفاعل بين الضوء والفن المعاصر بالإرث الثقافي والحضاري للمدينة العتيقة. ساهم بالتالي في تجديد صورتها بشكل مختلف، فبمجرد أن تحلّ الساعة السابعة مساءا وإلى حدود منتصف الليل، ينطلق زوّار المهرجان في مغامرة ليلية لإستكشاف اللوحات الفنية المصنوعة من قبل 42 فنان من جنسيات مختلفة من العالم مثل الأرجنتين واليابان وإفريقيا. قدموا لتونس وبداخلهم شغف كبير لإعادة نحت فضاء المدينة بأسلوبهم الخاص، إذ ما يقارب 40 لوحة تمّ توزيعها بطريقة ذكية على مسالك متنوعة من المدينة العتيقة مثل « دار لصرم » و « دار الجزيرة ». ذلك أنّ المغامرون كانوا يكتشفون في أن واحد العروض الفنية إلى جانب المنازل المتروكة في المدينة والتي تعود للقرن 12 . الأمر الذي ساهم في ترسيخ مفهوم المدينة العتيقة وأهمية المحافظة على تراثنا والافتخار بأصالتنا الثقافية التونسية.

أثث الدورة الثانية لمهرجان الضوء قرابة 215 متطوعا أغلبهم من فئة التلاميذ والطلبة رافقوا الزوار في جولاتهم، مقارنة بعدد المتطوعين في النسخة السابقة الذي بلغ 150 فردا. حيث بدأت التحضيرات على قدم وساق منذ شهر فيفري وذلك بهدف ضمان تنظيم محكم للمهرجان والإستعداد له على أكمل وجه. فبحسب توضيح أحد المتطوعين أحمد بن يغلان، بيّن وأن هيكل مهرجان يتكون من ستة خلايا صغيرة تشتغل كل منها ضمن موضوع معين ومحدد وفق لتوجهات المهرجان. ستة خلايا تمثل المحرّك الرئيسي ل »أنترفيرونص » والقلب النابض له، ستة خلايا تشكل مساحة إلتقاء بين إبداعات فكرية مختلفة وشريان يضخّ بأحلام شبابية تسعى لرؤية وطنها مشكلا بألوان الحياة نزعة عنه عتمة الليل.

دون أن ننسى الطابع الطريف الذي ميّز هذه النسخة والمتمثل في خلق إشارات تواصلية بين المنظمين والمغامرين لضمان حسن سير أجواء مهرجان الضوء  « انتارفيرونص Interference ».

بإمكانيات بسيطة وأحلام شبابية، عزفت جدران المدينة العتيقة بتونس لوحات فنية ساهمت في إعادة إحيائها وإكسابها وقع حركي فريد و حوّلتها إلى فضاء مفتوح. فعديدة هي الهويات والجنسيات التي وطأت قدمها أعتاب المدينة العتيقة، لكن الجميع توحدوا بفعل الفن. إذ وحده الفن من يقاوم الألم ويمسح عن الروح أتربة الغبار اليومي ويحقق اللذات المتخيلة وتتوحد الأجساد في حضرة النشوة الإبداعية، ضمن أجواء « Interference »