جمعية أبولون للثقافة والفنون: « الشباب هم طاقة لا تفنى! »

 يقول نيتشه: » رفاقا يريد المبدع، لا جثثا ولا قطعانا ومؤمنين أيضا، رفاق إبداع يريد المبدع يخطّون قيم جديدة على ألواح جديدة، رفاقا يريد المبدع، أولئك الذين يعرفون كيف يشحذون مناجلهم ». الرفاق المبدعون بالمفهوم النيتشوي، هم أولئك الأفراد الذين قطعوا على أنفسهم العهد من أجل نزع وشاح النمطية وروتينية الأشياء الغارق فيه كوكبنا المعتل بأزماته اللامتناهية. فالصداقة الحقيقية هي تلك الصداقة المبنية على أهداف نبيلة وإرادة قوية لا تذبل في مقاومة رداءة الموجودات وتلوينها بالفن والثقافة، توحدهم إرادة الحياة وتحقيق الحلم. رفاق إبداع في مقال اليوم هم شباب جمعية « أبولون للثقافة والإبداع » بمدينة قصر هلال.

نسافر اليوم لنحطّ الرحال في مدينة تونسية عريقة تبعد 17 كيلوميترات عن المنستير، أحد أهم الأقطاب الصناعية في البلاد التونسية  وهي « قصر هلال ». حيث يعود أصل التسمية بحسب ما تناقلته الذاكرة الشعبية الشفوية نسبة إلى عشيرة من بني هلال الزاحفة على تونس في عهد المعز بن باديس الصنهاجي، إستقرت في المنطقة وبنت مسجدا ودورا حوله فتمّ تسميتها بقصر هلال. كما توجد رواية أخرى بحسب المؤرخين تقول وأنّ هذه التسمية تعود نسبة للجد المؤسّس المدفون في المنستير والمعروف بين سكان المنطقة واسمه « سيدي هلال ».

وعلى مرّ التاريخ و منذ التأسيس، كان الطابع السياسي أبرز ما يميّز مدينة « قصر هلال » دون سواه. لكن في السنوات الأخيرة وتحديدا في سياق ما بعد أحداث 14 جانفي، طرأ على المدينة تغيير هام بفضل ثلّة من شبابها أرادوا كسر القالب النمطي الذي وضعت فيه من قبل الفاعلين السياسيين السابقين وجعل شوارع مدينة « قصر هلال » تشعّ بالحياة والثقافة والفنون. فولدت بالتالي جمعية « أبولون للثقافة والفنون » في أكتوبر 2012 وسط مسار سياسي واجتماعي وثقافي عسير بهدف نشر ثقافة تقدمية ترتكز على المواطنة والدفاع عن حقوق الإنسان بواسطة التعبيرات الفنية. معتمدين في ذلك على مقاربة بديلة حول الواقع والمضمون الثقافي في تونس، يرمون من خلالها النهوض بالسياسة الثقافية على المدى البعيد.

وهو ما يفسر رمزية تسمية الجمعية « أبولون » نسبة لألهة الفنون عند الإغريق، إذ يعدّ « أبولون » إله الشمس، الذي يسير دائما في الغابات العالية  لينتحي لنفسه مكانا حيث يظل مع تابعاته الوفيات اللواتي لا يفارقنه أبدا: الاهة الموسيقى، الاهة النحت، الاهة الرسم، الاهة الفنون وغيرهن من آلهات الفنون التي ولاهن لما استقامت للحياة معنى حسب اليونانيين رمزية تدلّ على إرادة أبناء الجمعية في صنع التغيير في محيطهم المحلي. إذ تهدف جمعية « أبولون » بحسب أحد أعضائها أنيس قارة إلى تطويع فكرة اللامركزية الثقافية  وجعلها واقعا معيشيا. بالإضافة إلى خلق مساحات ثقافية جديدة خارجة الأطر التقليدية الخاصة بالفضاءات، تأطير الطاقات الفنية وصقل المواهب ودفع الشباب للإبداع في جميع التعبيرات الفني، تدعيم ثقافة التشارك وحرية تبادل وإنتاج المعرفة في المجتمع باستخدام المتاح الفني والثقافي، دفع التعبيرات الفنية لتكون حاملة لقضايا الإنسان وتعالج واقعه اليومي و خلق شراكة مع الجمعيات والمنظمات الوطنية و الدولية وتكريس آليات الحوار معها.

تعتبر تظاهرة « تصاور الشارع » أوّل نشاط تقوم به الجمعية بمشاركة مجموعة من مصورين شبان محترفون وهواة، اثثوا أحد شوارع مدينة « قصر هلال » بأعمالهم الفنية. لتنطلق فيما بعد جمعية « أبولون » في سلسلة من تظاهرات سنوية تشمل عديد الفنون، إختارت الساحات العمومية والفضاء الشارعي مسرحا لها تعكس من خلال أروقته هموم المتساكنين وأبرز قضاياهم. الأمر الذي يفسر العمق الفلسفي لرؤية الجمعية، لتكون بالتالي فنون الشارع سلاحا لها والفضاء الشارعي ميدانها الحربي.

إذ يعدّ مهرجان « فنون الشارع » أحد أبرز الأنشطة التي تسهر على تنظيمها جمعية « أبولون » خلال الفترة الممتدة بين شهر جويلية وشهر أوت من كلّ سنة بدعم من المندوبية الجهوية للثقافة بالمنستير والمندوبية الجهوية للشباب والرياضة ودار الشباب بقصر هلال. حيث يهدف المهرجان الذي بلغ في السنة الحالية دورته السابعة، إلى الارتقاء بوعي المواطن التونسي وخاصة منه الشباب من فئة التلاميذ والطلبة والمعطلين عن العمل والأطفال بغاية تطوير إمكاناتهم الفنية وتعميق اهتماماتهم بواقعهم عن طريق دمقرطة تعبيرات فنية مختلفة مثل الموسيقى ومسرح الشارع والغرافيتي وسرك الشارع تحاكي واقع الشباب المؤسس، هويته، حضارته ومشاكله. تعبيرات مستمدة روحها من الإيمان بالثقافة البديلة بعيدا عن الانسياق في تيار الذوق العام والعمل الفرجوي بمفهومه الربحي، تستخدمها جمعية  » أبولون » كأداة تدريب لتعلم ثقافة الحوار والتعبير عن الآراء.

هذه الثقافة يسعون لتكريسها أيضا عبر تأسيس ستة نوادي ذات أنشطة واهتمامات مختلفة في عدة مجالات ثقافية وفنية، تعمل من خلالها جمعية « أبولون » على ترسيخ قيم المواطنة والإبداع الفكري والفني مثل نادي التصوير الفوتوغرافي، نادي الخط العربي، نادي صناعة السينما، نادي المقهى الثقافي، نادي سينما « أبولون » ونادي كورال « أبولون ».

لكل منّا طريقته الخاصة في تحمل الصعاب ومواجهة الأزمات، إذ هناك من يختار الإستسلام والرضوخ للأمر الواقع، وهناك من يحول الأزمة لعنصر قوة يدفعه إلى الأمام لصنع المستحيل وترك الآثر والتحقيق التغيير. هكذا هم أبناء جمعية « أبولون للثقافة والفنون »، هذا الجيل الصاعد من جوف الأرض الذين تمخضوا عن سياق مجتمعي ثوري ليكسروا بإمكانياته البسيطة النمطية المتوارثة للسياسة الثقافية لمدينة « قصر هلال » وجعلها منطقة تشعّ بالحياة، فهم واقتباسا للتعبير النيتشوي ليسوا بمجرد شباب وإنما عبوات ديناميت تنتظر الإنفجار إبداعا في أية لحظة.