جمعية خلود: يبدأ البناء دائما من تحت الأرض لا من فوقها:

ضيفنا هذه المرة، هو جمعية « خلود » ممثلة في شخص رئيسها أشرف سلامي . تأسست جمعية خلود رسميا في بداية سنة 2017، وهي تنشط على عدة محاور، وهي من الجمعيات المعروفة في تونس العاصمة بنشاطها الميداني المتكرر.

حسب ما حدثنا به رئيسها أشرف، فإن « خلود » هي جمعية خيرية تعتني أساسا باليتامى وفاقدي السند من الأطفال، وتهتم برعايتهم والوصول إليهم حيث هم، والقيام بعدة ورشات تدريبية وترفيهية بغرض التسلية عنهم وتعليمهم في نفس الوقت.

« نحن نؤمن بأن البناء يكون دائما من تحت الأرض لا من فوقها، وإذا أردنا ضمان مستقبل لبلادنا علينا العمل على الصغار والأطفال ومحاولة بناء وعبهم وإدراكهم كي يكونوا مواطنين فاعلين في هذا المجتمع. وقد ركزنا على الأطفال اليتامى وفاقدي السند لأن هذه الفئة هشة أكثر من غيرهم من الأطفال الذين يعيشون في إطار عائلاتهم. فالطفل حساس تجاه بيئته ووعيه يتبلور حسب محيطه، وإذا نشأ بعيدا عن محيط يضمن له تربية سليمة وإحاطة كاملة واهتماما خالصا، فإنه سيكبر مشروع مجرم، مشروع إرهابي، أو مشروع سجين أو قتيل. إن تجاهل هؤلاء الأطفال ليس إلأا قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه المجتمع ما أن يصبحوا في كامل مداركهم العقلية حين بلوغ سن الرشد… »

وحول الحديث عن أنشطتهم المكرسة من أجل هذه الفئة، أجابنا أشرف قائلا: « نحن نهتم بالتدريب وبالترفيه في نفس الوقت. وسيلتنا هي الفنون والثقافة لأننا نؤمن بأن الثقافة يمكنها أن تغير كل شيء. عبر الورشات التي نقيمها نروم غرس ثقافة حب السينما والمسرح في نفوسهم. أنتم تعرفون أن الوعي يجب أن يكون أكبر من مجرد اللهاث وراء الحاجات اليومية ونحن نؤمن بما قاله شكسبير: « اعطني مسرحا، اعطك شعبا عظيما ». نحن نعمل حاليا حسب الإمكانات المتوفرة لدينا، ولكننا لم نتوقف بسبب قلة الموارد. في ظرف أقل من السنة قمنا بزيارات ميدانية متتالية للمستشفيات، زرنا الأطفال هناك وقمنا بعروض ترفيهية لهم، زرنا مراكز إعادة التأهيل وإدماج الأحداث في المجتمع، وحاولنا أن يمتد الأثر إلى أكثر من مكان… »

فيما يتعلق بمراكز التأهيل، حدثنا أشرف عن تجربته مع هذه المراكز قائلا: « الحقيقة أني لا أجد الأمر مريحا ولا مبشرا بالخير. فالمراكز -ولا أقصدها كلها- ليست مهيئة للاعتناء بهذه الفئة، خاصة في هذا العمر الحساس. نحن بصدد التحدث عن أطفال في همر الزهور يتعرضون إلى التحرش والعنف اللفظي، والجسدي. وهو من أخطر ما يمكن أن يتعرض له طفل لم تكتمل رؤيته للعالم بعد. ماذا يمكنكم أن تتوقعوا من أطفال تعرضوا للعنف ولم يتم ترميم ذلك الصدع في نفوسهم؟ كيف يمكنهم أن يكونوا في المستقبل؟ نحن أمام جيل مهدد فعلا، وأرى أنه من دور جمعيتنا وباقي الجمعيات المختصة في هذا الأمر مثلنا، أن تدرأ هذا الخطر عبر تمديد نشاطها أكثر ومحاربة هذه الأنظمة التي لا تحترم كيان الطفل وحقه في الحياة والنشأة الكريمة… »

دار سؤال حول سبب تسمية الجمعية بهذا الاسم الذي ليس مألوفا أن تتسمى جمعية به، فأجابنا أشرف: « خلود، هي أختي التي توفيت قبل أن أرى النور. كانت مريضة منذ ولادتها وعانت كثيرا، وحسب ما حدثني به والدي فإنها كانت رغم مرضها ووهنها طفلة مليئة بالطاقة والحياة. أفكر كثيرا فيها وكنت أتمنى لو كانت خلود موجودة في حياتي كي أستطيع العناية بها واصطحابها إلى كل الأماكن التي أذهب إليها، كي تعرف أن العالم أكبر من مجرد السرير الذي قضت  فيه أيامها القليلة… لكن مشيئة الله وحكمه. أنا الآن أسعى كي لا يكون هناك أطفال مثل خلود، وكي أنشر السعادة والوعي بين كل الصغار الذين تتعامل معهم جمعيتنا… »

حول الحديث عن علاقتهم بالمؤسسات الناشطة في هذا المجال، أجابنا أشرف بتأفف: « سأخبركم مثلا عن عقدة حيات، إنه مركز الزهروني للإحاطة بالناشئة. هذا المركز لا يكتسب أي مقوم من مقومات العناية بالأطفال فما بالكم بتأهيلهم وتحضيرهم لحياتهم المستقبلية في المجتمع. نحن نهدف إلى تكوين الصغار كمواطنين متكاملين يستطيعون التصرف باستقلالية ووعي في المستقبل. لكن ما نراه هو مأساة حقيقة. بعض العاملين في هذه المراكز لا يهتمون أبدا بالأطفال بل ويتعاملون معهم على أساس مخلوقات لا تشاركهم نفس الهوية الإنسانية. كما أن النظام بأكمله قائم على غلطة فادحة، إذ أنه حينما يبلغ هؤلاء الأطفال سن 18 يُسرحون من المركز ويكون الشارع مأواهم، فماهو مصيرهم حينها؟ وكيف يمكنهم الحفاظ على التزامهم ونقائهم وسط المصائب التي تحدث في واقعنا؟ أرى أنه من المؤسف أن نستهين بمستقبل هؤلاء الصغار، بل والأتعس من ذلك أن نعاملهم كأنهم هم المسؤولين عن أخطاء أوليائهم. أرى أنه قد حان الوقت فعليا وجديا لتغيير هذه العقلية النمطية المنتشرة في مجتمعنا… »

« أنا متفاءل رغم كل شيء، طوال مسيرتي القصيرة التقيت شبابا كثرا مؤمنين بالقضايا الاجتماعية والانسانية، ويرون أن من واجبهم الدفاع عنها. وبرؤية هؤلاء الشباب وغيرهم أرى أن لتونس مستقبل وأرى أن هناك أملا فعلا. لا يمكنني أن أدعي أن عمل جمعيتنا مثالي وأننا سنغير هذا الواقع بضربة سحر، ولكننا على الأقل نحاول، ولا نكف عن المحاولة… »

جمعية خلود هي جمعية فتية يديرها ثلة من الشباب الذي مازال وسيظل يؤمن بإمكانية الإبداع والتغيير على أرض تونس، شباب يؤمنون أن بناء مواطنة فاعلة وحقيقية تكون بداية من الصغار، الذين سينبتون من تحت الأرض ويزهروا على هذه الأرض. ذلك ما نردده دائما، أننا إن أردنا البناء فلن نستطيع أبدا أن نقسم الأساس على أرضية هشة، وأنه كي تكون الأرضية صلبة يجب أن نبدأ بالثقافة التي منها يتغير كل شيء…

lien facebook: https://www.facebook.com/assokhouloud/

هكذا رؤيتنا، هكذا رؤيتهم. لنا الفن والثقافة كي نغير الواقع، لنا الفن والثقافة كي نضيف إلى الحجياة شيئا من الحياة…