جمعية « فنارة » للمسرح: « عبر الفنّ ستٌضخّ الحياة في شرايين مدينة بن قردان »

« الأفضل لك أن تشعل شمعة من أن تعلن الظلام »، يقول روزفلت. إذ لا شيء يجعلنا عظماء على وجه هاته البسيطة سوى منظومة أفعالنا بما هي تلك الانجازات التي تعمل على تحقيقها منذ تلك اللحظة التي تدرك فيها معنى الحياة وقيمة الوجود. فإمّا أن تختار القنوع بما تفرضه عليك الطبيعة الكونية، أو أن تختار درب المواجهة ومحاربة الظلام من أجل أن يعمّ نورك الداخلي محيطك محوّلا الجمادات التي من حولك إلى أشجار مثمرة ترقص جذوعها على إيقاع الحياة.

صحيح أن وطننا اليوم يئنّ وجعا نظرا لتتالي أزماته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا تنتهي، ولكن هناك من لا يزال يؤمن بهاته الأرض، أرض تونس، وبأنّ التغيير آت لا محالة مثل مجموعة « فنارة » للمسرح.

من أقصى الجنوب الشرقي للجمهورية التونسية وعلى مقربة من الحدود الليبية، برز شعاع متمرّد على الظروف الاجتماعية والثقافية المكوّنة المحيط المجتمعي بمدينة بن قردان. شعاع يتمثّل في مجموعة فنارة للمسرح. حيث يتميّز المشهد الثقافي بمدن الجنوب التونسي بالتصحّر وغياب شبه كلّي لجلّ الأنشطة الثقافية وفضاءاتها التي وإن وجدت، فإنها تفتقر إلى حدّ أدنى من التجهيزات نظرا لغياب الدعم والتمويل. وهو ما يؤثّر سلبا وبطبيعة الحال على التنشئة الاجتماعية للشباب وتكوين شخصيته وتأطير فكره الذي سيتكلّس ويضمحل بفعل الزمن.  وهو ما تعيش على وقعه مدينة بن قردان اليوم.

غير أنّ هذا المناخ الثقافي وما يتميّز به من وجودية مقيتة تقتل الفعل الإبداعي والابتكاري، لم يكن عائقا بالنسبة لمراد طواهرية وإنما حوّله إلى حافز مولّد لطاقة لا تنطفئ وعزيمة لا تهزم في سبيل رسم الحياة وبعثها من جديد في مدينته الصغيرة، ساعيا للقضاء على ثقافة الموت فولدت بذلك مجموعة « فنارة »

أسس مراد مجموعة فنارة منذ سنة 2010، حيث كان في البداية ذات تسمية مغايرة وهي « La Famille »، لتتغير وتستقرّ فيما بعد سنة 2013 على تسمية « فنارة » تفاعلا منه ضدّ موجة الإرهاب التي ضربت البلاد التونسية في تلك الفترة. لتكون بالتالي هاته التسمية ذات دلالة فلسفية تفي ببعث النور وسط الظلام. حيث كان يهدف مراد رفقة مجموعته المتكونة من  « نزار شفرود، وجدي حداد، أيمن الجندلي، غيف الغفاري، عدنان كتار، سيرين صدام، نديم ناجي، نهروان ملوش » تغيير واقعهم الاجتماعي ومعالجة قضاياه عبر مجموعة من الأعمال المسرحية والسينمائية إضافة إلى الومضات التحسيسية التي تكسر بحسب ما وصفه لنا مراد مع الطابع النمطي والفكر التقليدي الذي يطغى على الوعي الجمعي لمدينة بن قردان.

فعلى الرغم من طرد الهيئة المديرة بدار الثقافة ببن قردان لمجموعة « فنارة » من فضائها على خلفية احتجاجهم ضدّ كيفية إغلاقها أيام السبت والأحد، إلا أنّ مراد ومجموعته عزموا على مواصلة  التدريبات والاستعدادات في بناية مهجورة ببن قردان ليفوزوا فيما بعد بالمرتبة الأولى وطنيا في الدورة 26 للمهرجان الوطني للمسرح في أكتوبر 2018 بالمهدية  بمسرحية « تيليكومنود ».

أمّا في الأعمال السينمائية، فقد تحصّلت مجموعة « فنارة » في المهرجان الدولي بتوزر على المرتبة الثانية بفيلمها القصير « سفر ». كما تحصّلت أيضا في مهرجان مطماطة على المرتبة الثانية بفيلمها « عائشة ».

حوارنا مع مراد طواهرية كان جدّ مشوّق نظرا لما يتمتّع به من طاقة حماسية كانت بمثابة خزّان وقود لمجموعة « فنارة » التي أكّد على استمرارية منتجاتها الثقافية والفنية في المستقبل. فالتغيير يبدأ بفكرة ثمّ يتحوّل إلى فعل ذو تأثير إيجابي مخلّد عبر التاريخ. فضع حياتك على خطّ التاريخ ورافق أولئك الذين يبقون تلك النار مشتعلة، » ذلك أنّك ولدت مع إمكانات، وقد ولدت مع خير وثقة في داخلك. لقد ولدت مع مُثل وأحلام، وقد ولدت مع العظمة. لقد ولدت بأجنحة، لا يفترض بك الزحف، لذلك لا تفعله. لديك أجنحة، تعلم كيفية استخدامها وحلق »، هكذا يقول مولانا الأعظم جلال الدين الرومي.