راهنيّة حقوق الإنسان في عالم ما بعد الحداثة

جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتّحدة في 10 ديسمبر 1948، كنتيجة لما تكبّده العالم آنذاك من خسائر بشرية ومادية فادحة في ظلّ الحرب العالمية الثانية، حيث تعهّد المجتمع الدولي إثر انتهائها بعدم السماح مجدّدا وقوع جرائم فظيعة تنتهك كرامة الفرد وقيمته الإنسانية. لذلك حرصت منظّمة الأمم المتحدة بدعم الميثاق بخارطة طريق تضمن حقوق الفرد في كلّ زمان ومكان في أيّ شبر من العالم. لتنطلق بذلك مسيرة المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان بخوض العديد من التجارب إعلاء لراية الإنسان ونصرة لذاته.

لكنّنا في ظلّ ما نعيشه في عالم الحداثة السائلة نسبة ل »زيغمونت باومنت »، من واقع مأساوي تكسوه العديد من الممارسات القمعية والوحشية مليء باغتيالات سياسية وعمليات إرهابية وانتهاكات وكلّ أشكال التعذيب والتهجير والحروب والدمار على الصعيد الدولي والمحلّي،  انعكس كل ذلك سلبا على وضعية حقوق الإنسان وتسبب في تراجعها في العالم بأسره باستثناء البلدان الإسكندنافية. وفي هذا السياق، سنقوم بعرض جملة من الأمثلة تُعنى بانتهاكات حقوق الإنسان في عدّة بلدان مختلفة من العالم.

1-واقع حقوق الإنسان في الدول العربية:

على الرغم من المخاض الاجتماعي الذي تعيشه المنطقة العربية الذي جاء كنتيجة لاندلاع سلسلة من الانتفاضات الشعبية في السنوات الأخيرة الرافعة لشعار « خبز، حرية، كرامة وطنية »، توقا لإنهاء زمن الدكتاتورية القمعية والقطع مع حكم الحزب الواحد بغاية بناء أنظمة سياسية ديمقراطية. إلاّ أنّ ذلك قد انعكس سلبا على المنطقة، حيث تحوّلت بعض الدول خاصة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط إلى منطقة توتر تشهد صراعات وحروب أهلية ذات خصوصية إثنية ودينية بهدف السيطرة على مقاليد الحكم للدولة والسيطرة على أجهزتها في نسف تامّ للعقد الاجتماعي. ممّا ساهم في حدوث جرائم إنسانية بشعة من قتل واغتصاب وتنكيل وتعذيب وصلت إلى حدّ العودة للتجارة بالبشر، وهو ما أدّى لدقّ ناقوس الخطر منذرا عن احتضار ثقافة حقوق الإنسان في المنطقة العربية. ففي ليبيا، ارتكبت الميليشيات وغيرها من القوات المسلّحة انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان بقتل المدنيين وتدمير مرافق البنية التحتية ومنشآت مدنية من خلال عمليّات قصف عشوائية للمناطق المدنية في بنغازي وطرابلس وغيرها من الأماكن. كما اختطفت قوّات « فجر ليبيا » و »كتائب الزنتان » مدنيين على أساس أصلهم أو انتمائهم السياسي وقامت بتعذيب المعتقلين وبإساءة معاملتهم كما اعتقل الآلاف من المهاجرين وطالبي اللجوء ممن لا يحملون أوراقا ثبوتية إلى أجل غير مسمّى بجرائم تتعلّق بالهجرة وقد واجه هؤلاء إلى التعذيب والتنكيل. بالإضافة إلى جرائم الاختفاء القسري من قبل الميليشيات المسلّحة وهنا نستحضر حالة « نذير القطاري » و »سفيان الشورابي ». أمّا في اليمن، فقد ارتكبت القوّات الحكومية عدّة انتهاكات لحقوق الانسان بما في ذلك المجازر اليومية وحوادث الاخفاء القسري ضدّ مؤيّدي الانفصال في الجنوب.

 بالإضافة لتجدّد النزاع المسلّح مع المتمرّدين الحوثيّين في الشمال أفضت في الآونة الأخيرة لاغتيال « علي عبد الله صالح » بغارة جوية على منزله في صنعاء بعد انقلابه على الحوثيّين. كما شنّت القوات الأمريكية ضربات جوية باستخدام طائرات بدون طيّار ضدّ من يشتبه أنّهم مقاتلون ينتمون إلى تنظيم « القاعدة »، ممّا أسفر عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين. وقد انعكس المناخ الجيوسياسي المتأزّم على بنية المجتمع اليمني وأوضاعه ممّا فاقم من ظاهرة المجاعات والأوبئة التي تتسببّ يوميا في مقتل عدد كبير من النساء والأطفال.  

2-أوضاع حقوق الإنسان في البلدان الغربية والآسيوية:

على الرغم من واقع التطوّر الذي عاشته مجتمعاتهم طوال قرون، تمخّضت عنه ثورات فكرية تعمل للقطع مع السلطة الدينية للكنيسة بهدف إرساء مناخ اجتماعي ديمقراطي ينتصر لذات الفرد. فإنّ ذلك لا ينفي ما يدور خلف كواليس ما تسمّى « بالدول الديمقراطية » من انتهاكات لحقوق الانسان. ففي البرازيل مثالا، واصلت الجماعات الدينية ممارسة الضغط على السلطات لتجريم الإجهاض في كافة الأحوال. إذ أنّ القانون البرازيلي لا يجيز الإجهاض إلاّ في حالات الاغتصاب أو تعرّض حياة المرأة للخطر وإصابة الأجنّة بالتخلّف العقلي. ممّا يدفع النساء للإجهاض سرّا في ظروف غير آمنة خوفا من العقوبات الأمنية، وهو ما يضع المزيد من المعوقات أمام النضال النسوي في مجال الدفاع عن حقوق المرأة. أمّا في النرويج، لم يكن بوسع المتحوّلين جنسيا الحصول على اعتراف قانوني بنوعهم إلا بعد اجتياز تشخيص نفسي وعلاج إجباري للهرمونات وجراحة لإعادة تعيين النوع. ممّا يجعلهم عرضة لجرائم الاغتصاب والعنف الجنسي المسلّطة عليهم من قبل الوعي الجمعي للمجتمع النرويجي. أمّا في الصين، فقد واصلت السلطات نهج فرض القيود المشدّدة على حرية التعبير. حيث واجه الناشطون والمدافعون عن حقوق الانسان خطر التعرض للمضايقة والاعتقال التعسّفي. كما استمر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة منتشرين في ظلّ غياب العدالة الاجتماعية، كما بقيت الأقليات الإثنية بما فيها « التبتيون » و »الأوغور » و »المنغوليون » تواجه التمييز والقمع الأمني المتزايد بالإضافة إلى إعادة تفعيل لعقوبة الإعدام.

إنّ مسيرة الدفاع عن حقوق الإنسان هي مشوار طويل من النضالات والمقاومة تتطلّب من مدافعها الإيمان أوّلا بالقضية الإنسانية ووعي بحساسية الدور الذي يؤدّيه. فالانتكاسة التي تشهدها الآن حقوق الانسان، لا يمكن إرجاع أسبابها فقط للحروب والنزاعات المحلية والدولية وإنّما كذلك هي مسألة مرتبطة بالمدافعين أنفسهم، لا نعمّم لكن بماذا يمكن أن نفسّر تهليل بعض المدافعين المتبنّين لثقافة حقوق الانسان في وسائل التواصل الاجتماعي « الفايسبوك » لمقتل أحدهم مثلما حدث في الفترة الأخيرة مع حادثة مقتل الرئيس اليمني « علي عبد الله صالح » وغيره كثير؟

في ظلّ عالم يقدّس ثقافة الموت ويتباهى بصور الدماء ألم يصبح الإنسان عدوا لنفسه؟ هل وصلنا أخيرا إلى مرحلة الإقرار بأنّ الأصل في الإنسان ليس إلّا الشر بحسب تعبير « هوبس »؟