طبيبة الألوان: رحاب بولعراس تتحدث عن عشقها للفن التشكيلي…

إن الفنّ يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية ». ربما من أجل ذلك لا تكف رحاب بولعراس عن الرسم يوميا

شخصيتنا لليوم هي طبيبة شابة في عمر 26 سنة ولكنها في نفس الوقت رسامة تشكيلية مبدعة. في سؤال لها عن سبب عشقها للرسم التشكيلي تقول رحاب: « أعتقد أن هذا السؤال يشكل صعوبة لأن أكثر الأشياء التي نحبها هي التي نعجز عن التحدث عنها. يشكل الرسم بالنسبة لي أكثر من غرام وأكثر من عشق.

هو مش الهواء الذي أتنفسه. حينما يمضي يوم واحد دون أن أرسم فيه أصاب باكتئاب يصل بي إلى استهلاك الأدوية وهذا ليس تعبير مجازيا. الرسم هو متنفس من توتر الحياة اليومية، عبره أستطيع الهرب، الحلم. أفعل ما أريد وارسم ما أريد. هو شيء لا يمكننا قطعا الاستغناء عنه.

« مصادر إلهامي بالأساس هي المرأة » تقول رحاب. « حينما كنت طفلة، كنت أحب كثيرا سلسلة المكتبة الخضراء. كنت أشاهد صور بطلات القصص وأتأمل جمالهن وشعورهن الطويلة وعيونهن الواسعة وأحاول رسم شخصيات تشبههن. أريد أن أرسم المرأة في كل تجلياتها، في الفرحة والحزن، واحدة تطير والأخرى تغني. أريد أن أرسم المرأة كما هي وكما يجب عليها أن تكون وحتى ماهو مستحيل أن تكونه: مزيج من الواقع والخيال. لا نستطيع أن نكون كل شيء في هذه الدنيا، وهذا الحد أد أن أحطمه عبر لوحاتي. أنا أركز أيضا على إظهار موروثنا الشعبي تقريبا في كل لوحاتي، ألبس شخصياتي « البلوزة » و »الفوطة » و »الخلخال » و »الحرام ». أعمل على جعلهن جميلات يمزجن بين حب الموضة وبين اللباس الشعبي التقليدي. أعتقد أن هويتنا مهمة للغاية وأننا يجب أن نظهرها أكثر عبر الفن. نساء تونس جميلات وقويات ورائعات ويعتززن بهويتهن كتونسيات، وهو ما أحاول إظهاره عبر لوحاتي.

تضيف رحاب متحدثة عن طفولتها: « حينما كنت صغيرة، علمتني أمي القراءة والكتابة منذ سن الأربع سنوات. بعدها حينما بدأت الدراسة في السنة الأولى، كنت أشاهد الأطفال يتعلمون الحروف وأصاب بالملل لأنني أعرف كل ذلك. فكنت أنزوي في آخر القسم مع أوراقي وأبدأ بالرسم والتلوين. حاولت معلمتي جذب انتباهي أكثر من مرة للدروس ولكنني عجزت عن التركيز. إلى أن توصلنا إلى اتفاق: إذا ركزت في الدروس جيدا فستعلمني بعد الحصص كيفية الرسم. وقد كانت تلك أول صفقة أعقدها في حياتي. وقد استمررنا على تلك الحال لمدة طويلة قبل أن يتفطن والديّ إلي ويعاقبانني خشية أن أهمل درسي.

« حينما وصلت إلى السنة الخامسة ابتدائي، لم تعد التربية التشكيلية تستهويني كثيرا. كان يجب علينا أن نرسم وفق نماذج محددة وكنت أرفض ذلك. وهو ما أغضب أساتذتي مني وجعلهم يخبرون عائلتي أنني لا أجيد الرسم. وهو ما صدقته لمدة طويلة. كنت أتحصل ‘لى أقل النتائج في هذه المادة ولم أكن أحظى بحب أساتذتي. إلى أن وصلت إلى المعهد الإعدادي. في مرة رآني أحد أساتذتي غارقة في التلوين فأحس أن لدي بصمة خاصة واقترح أن ننشئ ناديا للرسم. وقد فعلنا ذلك. أستاذي كان يشتري المواد والمعدات من ماله الخاص ويأتينا كل يوم سبت لنتعلم الرسم ونرسم لوحاتنا. السيد عدنان قبوبي أستاذي هو من نمّى في حب الرسم وشجعني على المواصلة وجعلني مليئة بالألوان كما لوحاتي بالضبط. بعدها واصلت نفس الرحلة في المعهد الثانوي. لكن في هذه المرة كنت أنا من أسست نادي الرسم. أردت أن أصبح أكثر احترافية وكانت لوحاتي تنال إعجاب اساتذتي إلى درجة أنهم كانوا يريدون شرائها مني. في المدينة التي أسكن فيها لم تكن هناك معارض للفن التشكيلي ولم تكن هناك ملتقيات أو حتى معدات وحتى إن وجدت كانت غالية للغاية ولم يكن هناك محترفون ليدرسوا الرسم كما يجب.

فكرت في تغيير استراتيجيتي. كان من يطلب مني شراء لوحة، كنت أريده أن يشتري لي المعدات وأرسم له ما يريد. كان أساتذتي يشترون لي المعدات وكنت أرسم لهم ثم أبيع لوحات أخرى وأجمع ما أجنيه إلى أن كونت رأس مال صغير من المعدات مكنني من الاستمرار في مجموعتي الأولى. كل ما فعلته كان نتيجة مجهودي الخاص، لم أكن أريد أن أكلّف والديّ شيئا خاصة مع ارتفاع أسعار المواد والمعدات للرسم. كسبت كل شيء بتعبي ومجهودي الخاص وهو ما يجعلني فخورة للغاية بذلك.

تواصل رحاب حديثها عن العراقيل التي تعرضت لها كرسامة شابة فتقول: « أردت أن أشارك في المعارض الوطنية. فقدمت ملفي وكل الأوراق المطلوبة ولكني رفضت لأنني لا أنتمي لاتحاد الفنانين. ما أفعلهلم يكن يرتقي حسب وجهة نظرهم ليكون فنا. لم أتوقف عند هذه النقطة، فقررت صحبة صديق لي يمارس الرسم أيضا وهو طبيب مثلي أن نقيم معرضنا الخاص. وقد لاقى ذلك المعرض نجاحا باهرا وأحب الجميع لوحاتنا. بعدها أقمت عدة معارض صغيرة. كنت حينما اسمع عن حملة تبرعات أقوم بعرض لوحاتي للبيع وأخصص جزءا من المرابيح لمساعدة الناس. أؤمن بعلاقة الفن مع عمل الخير، وأؤمن بقيمة الجمال مع طيبة القلب أيضا: ذلك ما يجعل الألوان تكون أزهى وأحلى.

« كانت نواة التشجيع الأولى من عائلتي: أبي وأمي اللذان لم يعترضا طريقي أبدا وشجعاني على مواصلة أحلامي كما أريد. بالإضافة إلى معلمتي سامية التي علمتني كيفية الرسم منذ سنتي الأولى في المدرسة، واستاذي في المعهد الإعدادي الذي آمن بموهبتي السيد عدنان قبوبي، وأستاذي في المعهد الثانوي الذي دعمني كثيرا السيد معز نويرة. حتى اساتذتي في الجامعة الذين كانوا يشترون لوحاتي ويسمونني « فنانة الجامعة » كل تلك الوجوه التي تخطر على بالي، هي التي جعلتني ما أنا عليه الآن وهي تتنفس عبر كل لوحة أرسمها وكل لون أخلطه وكل فكرة أحولها إلى رسم.

تواصل رحاب التحدث عما يختفي وراء لوحاتها فتقول: « أريد أن أخرج دائما صورة لمرأة قوية واثقة من نفسها وقادرة على كل شيء. لا أؤمن بالحدود ولا القيود فيما يتعلق بالإمكانيات. نسائي جميلات وقويات ورائعات لأن كل امرأة تحمل ذلك الجمال والقوة داخلها. وأنا أحاول أن ألتقطه وأظهره في لوحاتي.

« أحلم بأن أصل إلى العالمية. أن يتجاوز فني جدران حجرتي ويصل إلى مناطق كثيرة، أن أخلّد اسمي وأن أترك شيئا جميلا ورائي يكون ذكرى باقية لمن رسمت تلك اللوحات. كل فنان يمتلك الحرية للحلم والإرادة للوصول عليه فقط أن يؤمن بذلك. لقد آمنت بذلك بسبب الناس التي شجعتني والأكثر بسبب الأشخاص الذين أحبطوني أيضا لأنهم كانوا حافزا لأثبت لهم العكس. أريد أن ألهم الشباب الآخرين أن يواصلوا أحلامهم وأن لا يتوقفوا لأنه لا سبب للتوقف. لا أحد يستطيع خيانة الحلم إلا صاحب الحلم وذلك حينما يتخلى عنه. أقول لهم في النهاية: أحبوا بعضكم، أحبوا الفن، لا شيء أفضل على وجه الارض من رؤية الفنّ…

هي طبيبة الألوان التي تخلق من المرأة مواضيع للوحاتها، شابة قررت أن تشفي الأجساد بعملها، وتشفي الأرواح بفنها وتثبت نفس المبدأ الذي ندافع عنه في كل مرة: « لنا الفن كي لا يقتلنا عفن الواقع. لنا الفن كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة ».

فريق راديوشن – غادة بن صالح