علي حمدي : ممارستي للراب في حد ذاته قضية

« أنا أنتمي إلى أولئك الناس المحرومة المنسية، ولدت من رحم الظلم الاجتماعي وقد اخترت الراب لأحوّل وجعي لألوان حياة« ، هكذا حدّثنا بكل حماس علي حمدي ذو العشرين ربيعا الذي حوّل قريته الصغيرة الملقّبة بجزيرة الأحلام جربة ميدون أرضا خصبة يزرع فيها البذور الأولى لحلمه عن طريق فن الراب.

يعتبر الرّاب من أبرز العناصر في تونس التي مازالت محافظة على طابعها الأصلي على اعتبارها ثقافة صادرة من عمق الأحياء الشعبية والمحّملة بتطلّعات الشباب وأحلامه ومشاغله ومشاكله التي تعكس واقع المجتمع خاصة الضواحي ذات الكثافة السكانية ووليدة التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي تخترق المجتمع التونسي. ويعدّ الرّاب مجموعة من النصوص المنظومة والخاضعة للإيقاع، وتنسحب على قاعدة موسيقية تقوم على مزج مختارات من بعض الأسطوانات ومصادر صوتية أخرى وهو مرتبط بموسيقى Reggae و Soul و Funk و Last poets. 

من نبع هاته الثقافة حاورنا علي حمدي الذي اعتبر دخوله للرّاب انتقالا من عالم العبودية وثقافة القطيع والاستهلاك إلى عالم جديد متطلّعا من خلاله على مدرسة أخرى تعدّ في منظوره أفضل من المؤسّسات التعليمية والتربوية الرسمية وهي مدرسة الشارع مستمدّا من خلالها كلّ المكوّنات التي تساعده على بناء ذاته دون الحاجة لاستكمال مشواره الدراسي مطلقا على نفسه اسم Aliano Soldjah التي تتكوّن حروفها الأولى من اسمه الثلاثي أمّا « Soldjah » فيقصد به بحسب تعبيره المقاومة والكفاح.  إذ يعتبر الاسم المستعار في فن الرّاب من الشروط الأساسية لدخوله وقناعا لممارسه وذلك ضمانا لحمايته.

إذن، انطلق مشوار علي مع الراب منذ الصغر، ففي سنّ 11 سنة بدأ يخطّ على الورق ما يعيشه يوميا من قضايا واشكاليات حيث وجد في القلم سبيلا له للتنفيس عمّا يجول بخاطره وبداخله. وفي سنة 2011 قام علي بتجربة صغيرة في المسرح ومع تراكم الأزمات الاجتماعية والسياسية في خضم التحوّلات التي عاشتها بلادنا في السنوات الأخيرة بدأ علي يشقّ بشكل فعلي طريقه في فنّ الراب بآلياته ووسائله الخاصة غير أبه بعامل التمييز الجهوي واللاعدالة التنموية وعدم توفّر قريته بجربة ميدون على الموارد الأساسية والضرورية للثقافة التي تستجيب لتطلعاته وأهدافه، فبالرغم من سعيه في دار الثقافة لتأثيث ورشات عمل وتكوين للراب إلا أنّه كان يواجه العديد من الضغوطات والممارسات القمعية من قبل السلطة البيروقراطية التي تفرض عليه العمل وفق خطّة شغلها. لكنّ كل هاته العوامل شكّلت له بمثابة الحافز الذي يغذيه جرعات كثيفة من الطاقة والحماس ودفعه لمزيد التطوير من قدراته الغنائية والفنية فاختار أزّقة الشارع وأرضيتها مكانا له لاستكمال ورشات التدريب مع المجموعات الشبابية بدلا من الأبواب المغلقة لدور الثقافة والشباب.

كان أوّل عرض مباشر يقوم به علي ويصعد من خلاله على خشبة المسرح ليعرض على أمام الجمهور في حفل لفن الراب تناول موضوعه القضية الفلسطينية في جربة سنة 2011، وهكذا بدأ علي يتحسّس طريقه ويخطو رسميا أوّل خطواته في الراب الذي كان يمارسه بحسب تعبيره بشكل مختلف عمّا هو سائد، فهو يرفض أن يكون الفن مجالا للتجارة بقضايا الناس وآلة للترويض من قبل وسائل الاعلام والسلطة خدمة لمصالحها. بل يجب ان يكون الراب من منظوره مستقلا غير تابع ومرآة تعكس حقيقة ما يطفو على سطح الواقع الاجتماعي حيث قال في هذا السياق: » إذا لم تتحدّث عمّا تعيشه ولم تنقد حقيقة النظام السياسي ولم تعرّيه فأنت لست بفنان راب ».

كان أوّل عمل موسيقي يصدره علي سنة 2013 حمل عنوان « كاميكاز » تناول فيه قضية « ولد 15 » حينها في صراعه مع رجال الأمن، أمّا في 2014 فقد أصدر ألبومه الثاني بعنوان « مانيش مسامح » تقول كلماته « شد كلابك علينا لا تصالح جيبلي فلوسي طو نسامح سياسة سراق سياسة مصالح شي ما تبدّل كان الظلم بين اليوم والبارح … حامينا حارامينا … جيب غازك وماتراكك ما توقفنا الحرب« . بالإضافة الى ذلك حمل الألبوم الثالث لعلي الصادر سنة 2015 عنوان « Smile » والذي أراد من خلاله بثّ موجة من المشاعر الإيجابية بين الأفراد ودفعهم للابتسامة، وأخيرا سنة 2015 كان عنوان ألبومه « طريحة » أين وجّه رسالة حادّة لكلّ من سمّاهم بأعداء نجاحه.

وعند سؤالنا له عن الرسالة التي يوجهها لتونس من خلال فنّه عبّر أنّ حبه لوطنه لا يضاهى بثمن وسيظلّ يدافع عنه حتى آخر رمق من أنفاسه عبر الراب وعبر كلماته، فالعيب من منظوره لا يكمن في الوطن الذي أنجبنا وحمانا وإنّما العيب في الفئة السياسية التي تحكمنا التي لا تسعى سوى وراء تحقيق مصالحها غير عابئة بشعبها حيث يقول في هذا السياق: » سودت قلوبنا من الوقت ومن مخاخ لعباد كبرت جروحنا شخلا قلبي جندي … لا رئيس لا وزير لكلها تاكل في حقوقنا .. خواتي في الحبوسات وشطرها بطالة .. في بلاد تعينيك على كفنك تستنى في موتك في بلاد مخاخها عافنة تستنى في هبوطك »

كان الحوار جدّ شيّق مع علي الذي كانت عيناه تتقد شرارة وحماس عند حديثه عن عشقه لفن الراب ورغبته في تسخير سنوات عمره له أملا في ترك بصمته في المستقبل وتحقيق التغيير قائلا: » حتى ولو طال بي المشوار فسوف أصل واحقق حلمي » ونحن من هذا المنبر نوجّه لك هاته الرسالة « على هاته الأرض ما يستحقّ الحياة فما دام بك نفس الحلم والمقاومة فأصمد في وجه عثرات الطريق تعلّم من فشلك وحوّله لطاقة تدفعك نحو تحقيق المستحيل لتصير يوما ما تريد »

 

حاورته أية بن منصور