فاخر دمق: « الفنّ غيور للغاية »

رسام شاب لا يتجاوز أوائل العشرينات من عمره، أصيل مدينة صفاقس يجتاز سنته الثانية من دراسته للفنون الجميلة في التصميم الصناعي. يرسم بأبسط المواد الموجودة ولكنه ينتج منها إبداعات مميزة. هو فاخر دمق الذي يحدثنا عن تجربته في الرسم.

الطفولة

منذ أن كنت صغيرا، كنت أحب الرسم ولكنني لم أوّله قيمة كبيرة إلى أن وجدت ذات يوم صورة لأخي فأمسكت بقلم رصاص وجربت أن أرسمها. في تلك الفترة التحقت بمعهد حي الحبيب 3 شعبة التقنية بعد أن كنت أدرس في المعهد الرياضي. وفي المعهد الجديد التقيت أشخاصا مختلفين يمارسون فنونا مختلفة (الرسم – الغناء – الشعر – المسرح). اجتمعنا وبدأنا نشجع في بعضنا البعض إلى أن كبر عشقي للرسم داخلي.

أتذكر في يوم من الأيام، ناداني مدير المعهد وأخبرني بأنّ هناك مسابقة رسم بين المعاهد في مركب محمد الجاموسي وطلب مني المشاركة دون أن يخبرني بتفاصيل أخرى. نهضت يوم المسابقة وحملت معي ورقة رسم بيضاء عادية واقلاما ملونة قديمة ومستهلكة بقيت عندي منذ المرحلة الابتدائية وذهبت بكل فخر إلى المسابقة. وحين دخلت المكان، ما راعني إلاّ زملائي من المتسابقين قد أتوا بكل ما يملكونه من معدات. أدوات ومواد أراها للمرة الأولى ولم أكن أعرف بوجودها أصلا. جلست إلى طاولتي وأنا أكاد أموت خجلا ودفنت رأسي في ورقتي أعمل على لوحتي بموادي المتواضعة، ولم أرفع رأسي إلا حين انتهى الوقت.

في تلك المسابقة تحصلت على الجائزة الأولى، وتلك الجائزة جعلتي أؤمن بأن الإبداع غير مرتبط بالمادة المستعملة في العمل الذي أقوم به. نستطيع من لا شيء أن نخلق عملا فنيا أصيلا. ومنذ ذلك الوقت بدأت أجرب الرسم بأي شيء أجده في طريقي وأريد أن أرى ماهي النتيجة. إلى أن جاء يوم كنت فيه في المعهد أنظر إلى قلم الكتابة العادي وتساءلت: لم لا أجرب الرسم به؟ وحينما جربت لوحتي الأولى وجدت النتيجة قابلة للتطور. في تلك اللحظة تحطمت القاعدة التي جعلوني أؤمن بها حينما كنت صغيرا، وهي أن القلم مخصص للكتابة فقط وبدأت أشتغل أكثر على نفسي وفني وأبحث في الانترنت عن أشخاص مثلي إلى أن تحسن كثيرا وما زلت أتحسن

الإلهام والحلم

كنت أريد أن أكون مهندسا معماريا. وقد اتخذت الخطوة الأولى لتحقيق هذا الحلم فبدأت بدراسة الهندسة المدنية في المعهد العالي للدراسات التكنولوجية ولكن لم أستطع أن أنهي سنتي الدراسية الأولى وعدت لأعيد التوجه مرة أخرى وأدرس ما أحبه فعلا: الفنون الجميلة.

أكثر فنان أثر على مسيرتي ورؤيتي للفن هو « إدوارد لابروس ». وأثره سيظهر في أعمالي وخاصة في مشروع جديد بدأت أشتغل عليه.

أنا أستلهم لوحاتي مما تخفيه ملامح الوجه من مشاعر وأحاسيس، والشيء الذي يجعلني أختار الصورة التي سأرسمها هي الأحاسيس والمشاعر في تفاصيل الوجه وأصعب شيء في رأيي هو كيف سأظهر كل تلك المشاعر عبر لوحتي.

الصعوبات

من أكثر الصعوبات التي واجهتني لأستطيع أحافظ على حلمي هو عائلتي بالأساس التي لم تكن مقتنعة بالأشياء التي أريد فعلها على اعتبار خوفهم على دراستي ومساري المهني المستقبلي. بدأت عائلتي ترضخ لقراري مع الزمن وعلى الرغم من أنني أقنعتهم بأنني سأحافظ على دراستي وشغفي في نفس الوقت إلا أن الرسم بقلم الكتابة أساسا هو عمل معقد ويتطلب كثيرا من الوقت وهو ما يصبح عملا صعبا خاصة مع تراكم واجباتي نحو الدراسة وضرورة النجاح واجتياز الامتحانات.

ولكن يبقى العائق الأكبر هو مناخ الدولة العام. هذا المناخ لم يكن مناسبا أبدا ليطور أي فنان من نفسه. الدولة لا توفر أي تشجيع وحتى إن توفر تجده على شكل تافه مثل مسابقة لا تحوز أدنى مقدار من المصداقية. وحتى إن توفر عنصر المصداقية ستجدها مسابقة موسمية على إثر مناسبة رسمية لتضييع الوقت ليس إلا. بلدنا لم يحترم أبدا الفنانين

الرؤية

لقد شجعني الكثيرون لا أنكر ذلك وأولهم رفيق دربي الشاعر إيهاب الحكيم. بدأت عائلتي مؤخرا في تشجيعي وأيضا أصدقائي. أساتذتي في معهد الحبيب وخاصة أستاذة التربية التشكيلية سرور العيادي ومدير المعهد أنيس عبيد.

كلّ هؤلاء لم يشجعوني فقط لأنني أمتلك موهبة بل لأنني أمتلك رؤيا. أريد أن أوصل فكرة أساسية وهي أن الرسم لا يجب أن يكون دائما بقلم الرصاص وأدوات الرسم المعروفة وأنّ قلم الكتابة ليس مخصصا فقط للكتابة وأنه يستطيع أن يكون أساسا لأكثر من ذلك بكثير.

لا يوجد في الفن شيء اسمه قاعدة. « خلقت القواعد لكي تخترق ». أنا أعمل الآن على مشروع جديد بقلم الكتابة طبعا، ووهو سلسلة من اللوحات تعبر عن الصراع الداخلي الذي يدور في داخل الإنسان ولا يدري عنه أي أحد في الخارج شيئا

ستكون هذه اللوحات أكبر حجما بالطبعا وستكون كلها مرسومة باستعمال قلم الكتابة. وهي تعبير جسماني عن حالة الصراع، يمكن أن يكون فيها إيحاء بالألم أو المعاناة أو الوجع أو الحيرة أو الرغبة أو أي إحساس يعبّر عن الصراع الداخلي الذي يمرّ به أي إنسان.

الطموح والرسالة

أطمح أن تصل أعمالي إلى أوسع نطاق وأن أظل أتطور دائما لأصير أفضل مما أنا عليه الآن. أتنمى أن يأتي يوم ويكون للرسم قيمة مثل المجالات الأخرى. أحلم بأن أرى شوارع تونس مليئة بالألوان

من أجل أولئك الذين يحلمون ولا يكفون عن الحلم، أريد منهم أن يتشبثوا بأحلامهم بأقصى ما لديهم من قوة. إن السقوط هو أمر عادي في بلدنا لكن مادمت قد اخترت طريقك يجب عليك أن تكمل طريقك وتواصل. إن الزمن هو الذي سيميز بين من يحب الفن فعلا وبين من يعتبره نزوة عابرة. وأساس كل شيء هو الثقة بالنفس، أقول هنا الثقة وليس الغرور لأن هذا الأخير قد يبعدك أميالا عن طريقك الصحيح. ما يهم هو ألا تكفوا عن الحلم، ولا تكفوا عن التجربة.

ختاما، إن « الفن غيور للغاية » إذ أن يطالب بالتفرد والتميز عبر كل فنان. كل فنان لديه رؤيا ولديه حلم هو نسخة رائعئة تضاف إلى رصيد هذا العالم وتجعلنا نحس بأننا على قيد الحياة. وحدهم الموتى هم من لا يحلمون ومن لا يجربون. ووحده الفن هو من يستطيع تحريرنا من عفن الواقع ووحده من يستطيع أن يضيف إلى الحياة شيئا من الحياة.

فريق راديوشن – غادة بن صالح.