« في العاصفة.. »عندما تخاطب العرائس الكبار قبل الصغار

بركح يغشاه السواد و أضواء حبيسة المكان و الزمان و عيون تسترق وجوه الجمهور..نادى فينا صوت معلنا بداية الولوج « في العاصفة »..ثلاث ساعات و نيف من جنون الطبيعة و عنفوانها, دمى عاشت معنا و عايشتنا الهزل و الجد..فتمردت و حطمت جدار الخيال..توجهت لنا بأعين تفيض; قسوة و رأفة,بؤسا وسعادة,خيانة و تضحية,نفاقا و وفاء,..

كيف تمازجت كل هذه الألوان و الأحداث و العناصر المرئية و السمعية في وحدة توليفية منمقة و دالة برموز و تشابك مريب؟!

« الماريونات »..بلونها,باسمها,بهيئتها توحي بالمكان.. و أي مكان! فيافي و نخيل و غزال..لباس فرو و أقراط خشب و شعر ملبدة و أكواخ من قصب..كلها عناوين لنص واحد.مسرحية « في العاصفة » تقتبس من الحكاية و الواقع معا,فتحمل مأساة الملك « لير » لشكسبير و تعري أحداثا من تاريخنا المعاصر بين فساد و انقلابات و عمى السلطة و ثورة العامة..

لم يكن « وليام » في سرده للحكاية بين عامي 1603 و 1606 يخمن أنى و كيف ستقدم المسرحية لكنه ترك المجال لذلك. فبعد نحو ست قرون حاول المركز الوطني لفن العرائس خلق فضاء جامع للمفردات الجامدة و المتحركة من خلال عمل عرائسي لصنف المشاهدين الكبار  احتفاء بمرور 25 سنة عن تأسيسه و انتصارا لتراجيدية و مأسوية شكسبير الغائب الحاضر منذ أربعة قرون. و ليس بالبديهي تماهي زمنية الكتابة مع فترة العرض,فالارتباط عضوي كما في الشخوص. فلا الملك « ديوب » المهان و لا المهرج « تروبا » ذو الوقاحة الحكيمة و لا البنات و لا الحاشية و لا حتى الجمهور يعرف و يعي جيدا من يحركهم,من يغويهم,من يتحكم في أقدارهم.. »كأننا دمى في يد إله دموي خفي ».

« في العاصفة.. » محاولة تذكر فتغير فيك الكثير,تسافر بك تحملك نحو اللامستحيل.. تغادر الفضاء بذاك السواد الذي غشاك على الركح أول اللقاء و تعاني من لحظات الألم و الندم ,العطف و الجحود,السلطة و التمرد.. في الآن ذاته.