في اليوم الدولي للمهاجرين: أي مستقبل للراحلين عن هذا الوطن؟

الهجرة بمفهومها الحديث، هي عزم الأفراد وشجاعتهم على الإلقاء بأنفسهم بين أحضان وطن غريب بحثا عن مستقبل أفضل. هي الخروج من كل ذكريات الطفولة والشباب نحو مغامرة حياة أو ربما موت. في ظل عالم متحرك بسرعة مجنونة، وفي ظل صراعات لا تني، يزداد عدد المهاجرين يوميا ودوريا في حركات محمومة نحو العالم المتقدم، من هنا نتساءل، أي مستقبل لهؤلاء المهاجرين؟

« كانت ظاهرة الهجرة حاضرة دائما. فمنذ الأزمنة السحيقة، كان الناس يتنقلون بحثا عن فرص جديدة وحياة أفضل. وسوف تظل الهجرة قائمة بسبب تغير المناخ والعوامل الديمغرافية وعدم الاستقرار وتفاقم مظاهر التفاوت واتساع تطلعات الناس إلى حياة أفضل، وكذلك بسبب الحاجة إلى سد النقص الذي يعتور أسواق العمل. إننا بحاجة إلى تعاون دولي فعال في إدارة مسائل الهجرة لكفالة توزيع منافع الهجرة على أوسع نطاق ولحماية حقوق الإنسان المفروضة لكل من يعنيهم الأمر حماية مناسبة… » قالها الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة إعلان نيويورك للاجئين والمهاجرين والذي اعتمد على مجموعة من القرارات والالتزامات التي وقع الاتفاق عليها إبان القمة الأولى للأمم المتحدة والتي اهتمت بشكل خاص بوضعية اللاجئين وسعت إلى تحسين أوضاعهم خاصة بالنظر إلى ظروفهم الصعبة وسط بلدان تشقها النزاعات والصراعات.

في تونس، أصبحت كلمة الهجرة شيئا عاديا يحلم به أكثر من ثلاثة أرباع شباب هذا الوطن، ظانين أن الهجرة هي الحل لكل مشاكلهم وإشكالاتهم، معتقدين أن بلاد الغرب تنتظرهم بأذرع مفتوحة لتفرش لهم بساطا من حرير وتمنحهم كل ما يريدونه من أموال ومراكز ومتع الحياة.. في بلدي كلمة الهجرة أصبحت مرادفا إلى العيش الرخيم، وكلمة المواطنة أصبحت مرادفا للجحيم. كل الحقول الدلالية اختلطت كما اختلطت المفاهيم بعد الثورة، وأصبح الجميع يروم هجر الأرض والفرار من وطن معطوب نحو وطن جاهز في حين أنهم ينسون أن الهجرة ليست طريقا مفروشا بالورد، وأن المهاجرين حاليا يعانون الأمرين في سبيل تحصيل لقمة عيشهم، وضمان أبسط مقومات الحياة الكريمة، وأن المستقبل ليس واضحا كمرآة متألقة، وأنه مشحون بالخطر وعدم الاستقرار واللأمان. أحلام التغيير والمقاومة لم يعد لها من مكان إلا في ذلك الركن الضيق الذي تحتله صورة « تشي-غيفارا » على جدران الشباب، وهاجس واحد متغلغل في عقول الكثيرين « الرحيل هو الحل الأخير ».

في اليوم الدولي للمهاجرين، نتمنى مستقبلا أفضل لمن يروم الذهاب، ونتمنى المجد كل المجد لمن يروم البقاء. البقاء ليس ضعفا ولا عجزا، هو طريقة للمقاومة، وهو اعتراف بقيمة هذا الوطن وعزته حتى في أوقاته الصعبة. في اليوم الدولي للمهاجرين، نتمنى أن نهجر مخاوفنا من البقاء، نهجر كرهنا لهذه الأرض، نهجر رفضنا للبقاء فيها، نهجر خوفنا من العمل والتغيير فيها.

في اليوم الدولي للمهاجرين، نتمنى آفاقا مفتوحة للجميع، وأوطانا تستقبل الجميع، ولكننا نتمنى أيضا جذورا قوية تشدهم إلى هذا الوطن، وتذكرهم دائما أنه مهما بلغ سوء الوضع هنا، يحمل المستقبل دائما غدا أفضل حتى لو رفضنا الاعتراف بذلك، نحن لا نستطيع أن نغير أمهاتنا مهما ابتعدنا عنهن، كذلك الوطن، لا نستطيع أن نغيره مهما رحلنا عنه…