مارتن لوثر كينغ: إيقونة الحرية والحلم الدائم

دائما ما نختم مقالاتنا بجملة نعتمدها دائما: « لنا الفن والثقافة كي لا يميتنا الواقع، لنا الفن والثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة ». الفن هو تلك المساحة الشاسعة التي تكمن في السديم الخاص المختفي وراء عيون كل مبدع، هو ما يختمر في ذهنه وما يحرك شعوره وإحساسه كي يستنطق ذاته ويخرج تلك اللجة من داخله ويظهرها للعالم. لا فن دون حلم، ولا حلم دون قضية أو هدف يحركه. ومن هنا نستطيع أن نبدأ كما بدأ مارتن لوثر كينغ « لدينا حلم بأننا في يوم ما سنصل إلى ما نريد… »

بمناسبة ذكرى ميلاد هذا الزعيم الروحي، اخترنا أن نتحدث عن الحلم وعن الطموح، عن الأمل وعن الحياة، عن الجانب المنير من هذا العالم ، الجانب الذي لا يظهرونه لنا في وسائل الإعلام، الجانب الذي يخفونه ولا يقولون سوى ما يرونه من زاوية نظرهم الضيقة، أن تونس حفرة لا يطيب فيها العيش، أن تونس بلد الإحباط والاكتئاب، أن تونس تعج بالرداءة وأنه لا أمل يرجى من هذه الأرض.

إن أكثر ما ينير بصيرة الإنسان، ويجعله يتشبث بالعيش حقا هو الحلم بغد أفضل، الحلم بأن يحقق أسطورته الشخصية ويصنع له اسما. قد يكون الحلم أن يصنع عالمه الخاص وسط أسرة تحيطه وأبناء يتحلقون حوله، وقد يكون في أن يجوب العالم ويغسل عينيه وروحه من ثقافات الآخرين ويتشبع بعاداتهم ورؤاهم المختلفة، وقد يكون الحلم أن يجد عملا، أن يريح أما، أن يهدي العالم لأب متعب، أن يقبل جبهة حبيب أو حبيبة، أن يدافع عن قضية وأن يجعل ذلك الحيز بين الولادة والموت فضاءا رائعا للعمل والإبداع…

تتعدد الأحلام، والنتيجة واحدة: لا حياة لنا دون حلم، لا أمل لنا دون حلم. ولكن هل نستطيع أن نحقق أحلامنا وسط واسع لا يفعل سوى أن يؤذينا أكثر وأن يقصينا أكثر وأن يجعل لنا في كل خطوة هوة، وفي كل نجاح غصة ومع كل إنجاز عائق؟

الإجابة هي نعم بكل تأكيد، إن أكبر العظماء في العالم لم يحققوا أحلامهم وهو جالسون يتحسرون على حظهم العاثر أمام صفحات الفايسبوك، ولا نجحوا في غرس أحلامهم عبر الشكوى أو عبر الاتكال على الآخرين. هم أشخاص تعبوا وضحوا كثيرا، وآمنوا بأحلامهم، فتحققت.

إنها المعادلة السحرية لتحقيق أي حلم، كون لك حلما أولا، آمن به، اتعب من أجله، ضح من أجله، ستحققه.

في مثل البارحة، 15 جانفي من سنة 1929، أتى مارتن لوثر كينغ إلى الحياة حاملا معه حلمه الكبير، عاش مناضلا، ومات مغتالا ولكن حلمه لم يمت، حلم بالمساواة في عالم التفرقة الاجتماعية، حلم بالعدل في عالم الظلم، حلم بالفكر في عالم الجهل، حلم بالحرية في عالم العبودية، وتحقق حلمه، ومازال.

وفي مثل البارحة، استقبلنا ثورتنا الوليدة منذ سبع سنين مضت، حالمين بأننا سنصنع لنا غدا أفضل، استمرت السنوات في التهاطل كزخات المطر، ولم نر شيئا لأننا أغرقنا في الإحباط والاكتئاب، ولأننا صرنا عميانا عن أحلامنا: أثمن ما فينا.

من أجل هذا، وألف سبب آخر، نقول لكم: احلموا بمئة حلم، وحققوا ألفا، لا تصنعوا فرامل لخيالكم ولا تكبتوا الجياد الجامحة التي تسكنكم وتصهل في وجه العالم، أن انظروا إلي أنا هنا أرفس وجه اليأس بسنابكي وأسعى نحو الأفق البعيد متحررة من كل عائق.

ولا يمكن لنا أن نختم هذا المقال بأفضل من كلمات محمود درويش الخالدة، في ذكرى رجل آخر خالد:
« الآن، إذ تصحو، تذكر رقصة البجع الأخيرة.
هل رقصت مع الملائكةِ الصغارِ وأنت تحلمُ؟
هل أضاءتك الفراشةُ عندما احترقت بضوء الوردة الأبدي؟
هل ظهرت لك العنقاءُ واضحةً… وهل نادتك باسمك؟
هل رأيت الفجر يطلع من أصابع من تُحبُّ؟
وهل لمستَ الحُلمَ باليد، أم تركت الُحلمَ يحلُمُ وحدهُ، حيث انتبهت إلى غيابك
بغتةً؟
ما هكذا يُخْلي المنام الحالمونَ، فإنهم يتوهجون،
ويكملون حياتهم في الحُلمِ..
قل لي كيف كنت تعيش حُلمك في مكان ما،

أقل لك من تكون »

كن أنت طائر العنقاء، والملائكة الصغار، والفراشة، والفجر، والتوهج الذي تود أن تراه، كن أنت حلمك ومحققه في نفس الوقت، كن حالما، كن عظيما.

فريق راديوشن