مجموعة »Fearless »وجمعية شوف: بالفن نتوحّد، نصرخ ونعبّر إلى حين إرساء شارع اللاعنف !

 يقول جيل دولوز: » إنّ الفن هو الشيء الوحيد الذي يقاوم الموت »، فبحسبه يتحدّد العمل الفني بجوهره بوصفه فعلا من أفعال المقاومة. والمقصود بالموت هنا ليس ذلك المعنى التقليدي المتعارف عليه، بما هو خروج الروح من الجسد، وإنما يقصد دولوز هنا بمقاومة موت المعنى والجيد للفاسد والحقيقة للكذب. بحيث يكون العمل الإبداعي كاشفا فاضحا.

وهو ما تسعى للعمل عليه دوما جمعية « شوف » عبر دفاعها عن حقوق الإنسان ولاسيما عن الحقوق الجسدية والجنسية للمرأة وحقوق المثليين والمثليات والعابرين والعابرات ضمن مقاربة ثقافية فنية. حيث قامت في الآونة الأخيرة بإستضافة مجموعة « Fearless » الهندية من أجل إنشاء لوحة جدارية في شارع « غاري بلدي » بعنوان « غضب وحنان النساء » خلال الفترة الزمنية الممتدة من 10 إلى 18 ماي 2018 بغاية التعبيير على ضرورة تخليص الشارع التونسي من براثن الثقافة الذكورية المهيمنة عليه وجعله فضاء متاحا للجميع دون عنف أو تمييز.

*مجموعة  » Fearless » و جمعية شوف: الشارع التونسي ملك للجميع:

إذا كنت تمشي وسط شوارع العاصمة وتحديدا بجانب مقهى الفن الرابع، ولمحت عيناك جدارية فنية ضخمة تزين حائطه، فاعلم أنك قد دخلت عالم مجموعة « Fearless » و جمعية « شوف » القائم على مبادئ الحب والحرية والمساواة. عالم يحركه الفن وثقافة الحوار من أجل إحداث التغيير والتأثير شيئا فشيئا في عقلية المجتمع التونسي بهدف دفعها لإحترام الكينونة الأنثوية دون إقصاء أو تهميش لها إعلاء من شأن الرجل.

وقد بيّنت بشرى التريكي الناشطة في جمعية شوف، أنه في السنوات الأخيرة، ارتفعت نسب التحرش في الفضاء العمومي. بحيث لم يعد للمرأة كامل الحرية للتنقل والسفر بين أروقة المساحات العمومية بأريحية. إذ يعدّ من الغريب أن يمرّ يوم دون أن تستمع فيه المرأة التونسية إلى ألفاظ مخلّة بحيائها ومقتحمة لحرمة جسدها يقذفها المتحرش في وجه كل من تعترضه طمعا في جسدها. ممّا ساهم في خلق مفهوم جديد للشارع هو الشارع المذكّر الكائن على ملكية المتحرش ليس للمرأة فيه أدنى حق أو حرية.

من هذا المنطلق، جاءت فكرة التعامل مع مجموعة « Fearless » حول إنشاء جدارية فنية بعنوان  » غضب وحنان النساء »،  حيث كانت في البداية ستكون في مدينة الرديف بالقفصة. لكن ولأسباب تقنية، تمّ تغيير مكانها لتستقرّ بشارع « غاري بلدي » وسط العاصمة. وهو يعدّ اختيارا استراتيجيا يضمن أكبر قدر ممكن من المشاهدة من قبل الجمهور المار بمساعدة من قبل المسرح الوطني التونسي الذي وفّر لهم جميع المعدات والمستلزمات الضرورية للعمل.

وقد سبق هذه الجدارية، ورشة عمل في القص نظمتها جمعية شوف بمقر جمعية الشارع فن على امتداد يومين من 9 إلى 10 ماي بالشراكة مع  « AWID » و « Heinrich-Böll-Stiftung » (شمال إفريقيا تونس) بحضور ما يقارب عشرين امرأة خاضوا غمار النقاش حول موضوع الغضب وكيفية تعبيرهنّ عنه في وجه قيود المجتمع التونسي المكبّلة لواقعهنّ اليومي. ففي حوارنا لغياتري، إحدى الفنانات الناشطات في مجموعة « Fearless » والقادمة من الهند حول تجربتها في إطار هذه المجموعة الفنية النسوية وما تلقته من ردود أفعال في مجتمعها المحلي المعروف بطبيعته المحافظة كانت قد بيّنت وأنّ نساء مجتمعهنّ قد رجبّن بالفكرة منذ البداية لأنّهن وجدن متنفسا لما يعشنه من قضايا ومشكلات اجتماعية تضطهد حقّهن في العيش الكريم.

وهو ما ساهم في مزيد تحفيزها للعمل مع بقية نساء العالم تلبية لندائهن. الأمر الذي يجعلها موجودة اليوم بيننا لترسم على حائط شارعنا التونسي لوحة تتغنى بالحياة والأمل، والمشاعر الأنثوية التي يصمها الوعي الجمعي « بنقطة ضعف » المرأة، موحدة النساء وقوتهن في وجه ثقافة اللاحياة.

*مجموعة Fearless: إمرأة بلا خوف مع حلم قوي:

لو أغمضت عينيك لبرهة قليلة وحاولت أن تستمع بعمق شديد إلى وقع خطى الكون المترنح من حولك، لتمكنت من سماع أنين عالمنا المتألم بصمت شديد نظرا لما يعيشه من حروب أبت أن تنتهي وسفك لدماء أبرياء تعودت تربة الأرض على الارتواء به وألفته حتى ظنّته حبات مطر ولدت من رحم غيوم السماء. فمن عمق  الظلمات يولد النور، ومن عمق المآسي تولد بذور معلنة لإنطلاق فجر حياة جديدة.

تماما مثل مجموعة Fearless المتأسسة سنة 2012 بالهند على يد الفنان شيلو شيف تضمّ مجموعة من الفنانين والناشطين والمصورين وصانعي الأفلام. استخدموا الفن كوسيلة للتعبير عن رفضهم للعنف المسلط ضد المرأة.

حيث يعود بروز مجموعة Fearless كردة فعل احتجاجية لعملية اغتصاب جماعية لعصابة دلهي بالهند لفتاة تبلغ من العمر 23 ربيعا. فكانت بذلك شعلة انطلاق هاته المجموعة التي تعهدت على نفسها الدفاع عن حقوق المراة ونصرة كل إنسان مضطهد ومحاربة ثقافة العنف والاغتصاب وانتهاك للحريات لا فقط في الهند وانما أيضا في كل شبر على وجه هاته البسيطة. وذلك عبر استخدام الجداريات ضمن مقاربة فنية مجتمعية تشاركية مبنية على إشراك الجماعة المحلية وبخاصة النساء ضمن ورشات عمل لرواية القصص الشخصية النقدية المستلهمة ممّا يعشنه في واقعهن بغاية استبدال الخوف بالثقة والحرية والشجاعة وإرساء العدالة الاجتماعية. إضافة للعمل على خلق مساحة داخل المجتمعات المحلية خالية من العنف والتمييز، ومليئة بالفن والخيال، مشعة بالحب والاحترام للمرأة فيها الحق مثل الرجل.  بإمكاننا أن نجد نقش أيديهم قد بلغت جدران العديد من البلدان مثل باكستان وإندونيسيا ولبنان والبرازيل والولايات المتحدة وجنوب افريقيا.

ممّا لا شكّ فيه وأن جلّ جدران مجتمعنا التونسي تتّقد عطشا لتمتلئ بألوان فنية مختلفة حتى تنزع عنها ثوب الرتابة و الموت البطيء الذي يقتحمها يوما بعد يوم، حتى تمتلئ حبا تنير قلوب المارين بها بالحياة وثقافة احترام الآخر بكل اختلافاته دون عنف.