مشروع « ڨوم »: أجرنا يا الله من الظلم والجهل والفراغ…

يُقال أن الصدفة أحيانا يمكن أن تلد أشياء رائعة، يمكن أن تكون الصدفة قادحا لميلاد حب عظيم أو صداقة عميقة، وربما تكون أيضا الشرارة الأولى لميلاد مشروع إبداعي جميل.هي الصدفة التي جمعت مهدي الحامدي مع أعضاء فرقته « قوم » التي تنشط رسميا منذ ما يقارب السنوات الثلاث وتجول أرباع أوروبا ناشرة موسيقاها النابعة من موسيقى شمال إفريقيا الممتزجة مع الريغي والموسيقى الحضرية والجاز.

حوارنا اليوم مع الفنّان الذي أطلق دعوة « ڨوم » أي انهض باللهجة الدارجة التونسية. هو مهدي الحامدي الذي يبلغ من العمر 30 سنة أصيل مدينة الكاف – تونس أنهى دراسته الأولى إلى حد سنة الباكالوريا في الكاف لينتقل بعدها إلى تونس ويدرس في المعهد العالي للدراسات التكنولوجية برادس أين قضى ثلاث سنوات لينتقل بعدها إلى دراسة تصميم وصنع الآلات ثم يتحول تماما في مساره الأكاديمي ويكرّس نفسه للموسيقى.

لا يخلو العالم من الفنانين المستقلين، المنتشرين في جميع أركان الأرض ليكسروا رتابة الصمت ويضيفوا إلى الحياة شيئا من الحياة. وهنا يكمن جوهر حوارنا مع مهي الحامدي الذي يتحدث عن بداية حكايته مع الموسيقى فيقول: « حكايتي مع الموسيقى بدأت متأخرة. علاقتي الأولى مع الفن كانت عن طريق الكتابة. كنت أكتب نصوصا كثيرة وأحتفظ بها لنفسي ولا أريها لأي شخص. في الكاف لم تكن الأرضية ملائمة كي أظهر شغفي بالفنّ والموسيقى،

فامتهان الفن مازال موضوعا مكروها على الرغم من أنّ الكاف قد اشتهرت كثيرا بأغاني التراث التي تجاوزت حدود المدينة واشتهرت في جميع ولايات تونس. ربما يكون الواقع هو ما جعل الأسر تفضل دائما المسارات الآمنة لأطفالها وهو ما حدث لي. كان المسار الذي ينبغي أن أتخذه في حياتي مسارا عاديا ونمطيا: علي أن أدرس وأنجح لأتخرج وأقتلع عملا يؤمن لي مستقبلا مستقرا يمكنني من الزواج وتكوين عائلة أربيها على نفس النمط الذي تربيت عليه. ولكني كنت أدرك في قرارة نفسي أن ذلك لم يكن قدري الذي سأختاره لنفسي. في ذاتي كنت أعرف أني أريد شيئا آخر، شيئا لا علاقة له بالنظم الاجتماعية ولا بالحدود ولا بالقيود.

كنت أدرك تماما أني أريد أن أكون حرا، ولكني أخفيت تلك الرغبة الخفية في قلبي إلى أن انتقلت إلى تونس لإنهاء دراستي الجامعية. في تونس سكنت مع صديقي سفيان الذي كان عازف غيتار. وربما يكون ذلك هو التحول الأول الذي جعلني أقع في حب الموسيقى من أول مرة. مع سفيان تعلمت معنى أن تحب الآلة التي بين يديك ومعنى أن تنصهر مع الموسيقى إلى أن تنسى ذاتك تماما. وهو ما جعلني أهديه أغنيتي « طريق الموت » التي لاقت رواجا كبيرا في الأوساط الشبابية وأحبها جميع من سمعها.

يكمل مهدي الحديث عن طفولته فيقول: « حينما كانوا يسألوننا عندما كنّا صغارا: ماهو عملكم المستقبلي؟ كان كل الأطفال في سني يجيبون بكل ثقة في حين أنني كنت أصمت تماما. لأنني لم أكن أعرف ماالذي أريد أن أكونه في المستقبل. وهو ما جعلني آخذ وقتا طويلا إلى أن قررت أنني أحب فعلا الموسيقى وأنني لا أريد سواها مهنة في حياتي. كان ذلك حينما انقطعت عن دراسة الميكانيك وقررت أن أصبح موسيقيا محترفا.

يكمل مهدي حديثه حول ما أتعبه في رحلة كفاحه في تونس كفنان مستقل وناشئ فيقول: « لم أكن أطلب شيئا. كنت أريد فقط نقديرا بسيطا وتشجيعا صغيرا يجعلني أتشبث أكثر بالطريق الذي رسمته لنفسي. لكنني لم ألق سوى سوء المعاملة وعدم التشجيع بل والأكثر من ذلك، موجات الإبحاط التي يرسلها لي كثيرون: موجات من نوع أنني لن أصل إلى أي شيء في حياتي وأنّ ما أفعله هو مضيعة للوقت. ذلك أكثر ما يؤلمني حينما أتذكر تلك الفترة. ليس من السهل أن تكون فنانا مستقلا في تونس، ولكن ذلك لم يمنعني أن أواصل. وحينما واصلت بدأت أتلقى تشجيعات كثيرة ودعما من أصدقاء ومن مجهولين وهو ما جعلني أصرّ على المضي في نفس الطريق.

« وضعية الفنّان المستقل في العالم عامة ليست وضعية مريحة وسهلة. إلاّ بلدانا قليلة نجحت في التوفيق بين الفن التجاري والفن البديل وأنشأت نوعا من التوافق بين الجماهير المستهلكة للنمطين. في تونس، إن أردت أن تكون فنّانا مستقلا فعليك أن تكون محاربا. تصوروا أنه يجب أن تكون مؤلفا وموزعا و وموسيقيا وتجيد تقنيات التواصل، وتجيد بيع صورتك بالإضافة إلى أنك يجب أن تستقطب الناس إلى حفلاتك وتقنعهم بموسيقاك وتتحكم في كل التفاصيل والمفاجآت بالإضافة إلى عملك الأساسي وهو إنتاج موسيقى جيدة وكتابة نصوص عميقة بعيدة عن كل ماهو مستهلك ورديء. إنه ليس أمرا بسيطا وعفويا ليحدث. أنا لا أتحدث هكذا لأدمر معنويات من يقرأني، الحقيقة أن تونس هي أرض ولاّدة وزاخرة بالمبدعين. وكل فنان يريد أن يصل إلى مكان أفضل من المكان الذي انطلق منه، سيصل إليه حتما. ليس هناك شيء سهل أو بسيط في هذا العالم، حتى اعظم الفنانين والمبدعين في العالم تعبوا كثيرا قبل أن يصلوا إلى ماهم عليه. ولكنهم لم يصلوا بمجرد الرغبة، وصلوا بكثير من العمل والتضحيات. السعادة الحقيقية لا تكون إلا عبر اتخاذ ذلك المسار المرهق والذي يستنزف طاقتك وجهدك، ولكن كل ذلك التعب لن يكون شيءا مقارنة بمتعة الوصول.

وحول تجربته في فرنسا، يخبرنا مهدي: « تجربتي في فرنسا مازانت مستمرة. لقد أتيت هنا كي أتعلم ومازلت أحس بعد ثلاث سنوات أني لم أتعلم شيئا. فرقة ڨوم بدأت بالصعود والانتشار. قمنا بعدة جولات فنية وسافرنا إلى عدة مناطق من أوروبا وأدينا عروضا خاطبت العالم على الرغم من اختلاف اللغة. لقد نظمنا مجموعة من العروض التي تأجلت إلى الصيف. أرجو حينها أن يكون الحجر قد انتهى وأننا سنتمكن جميعا كإنسانية من العودة إلى مسار حياتنا الطبيعي.

أنا أعتقد أن الإختلاف هو ما يصنع القوة فعلا. إنه أمر حقيقي أن وضعية الفنان الذي يريد العيش عن طريق فنه فقط هي وضعية صعبة للغاية ولكن ذلك لا يعني أنها مستحيلة. إن الفنان المستقل ينبغي له أن يحمل رسالة ضد السلطة وضد النظام، وهذا النوع من الفنانين يعتبر مقصى تماما من منابر الإعلام. أساسا أغلب منابر الإعلام تروج للتفاهة والرداءة وتجعل من الأغبياء مشاهير. أنتم ترون أن الوضعية التي تعيشها الإنسانية الآن هي وضعية صعبة وغير مسبوقة، وهو ما يحفّزنا إلى أن نكون أقوى. يستطيع الفنان التونسي أن يكون عالميا، يجب فقط أن يؤمن بذلك.

هذا المشروع هو حلم. هو دعوة للتفكير. هي فكرة أريد أن أتقاسمها مع العالم. ويمكن أن تكون فكرة غبية بالنسبة إلى الناس، لكن ذلك حلمي ومن حقي تماما أن أحلم بلا قيود. ڨوم يستطيع أن يكون مشروعا ل20 أو 30 سنة للأمام.

يكمل مهدي حديثه عن مثروعه فيقول: « أريد أن أتعلم الموسيقى أكثر وأن أتشبع بها. أريد أن اقترب أكثر من كل من يسمعني وأتشارك معهم هذه الأفكار التي تسكنني وأريد أكثر من كل شيء أن استمتع بالموسيقى وأن أعش معها وبها. أنا لا أطلب أن أكون شهيرا أو ثريا. أريد أن فقط أن اعيش ذلك الحب الذي يجمعني بالموسيقى وأن أجعل أفكاري تصل للناس ولم لا للعالم أجمع. ربما سيقولوني لي أنني أعيش فوق السحاب. الحقيقة أنا لا أهتم لأنني أعيش على الأقل.

وينهي مهدي حواره معنا بهذه العبارات: « أريد أن أقول لأي فنّان أو اي إنسان يعبّر عن أفكاره عبر الفنّ أنه يستحق حبا ودعما كبيرين. يقول اليابانيون -وأنا لا أتحدث اليابانية طبعا- أنّ كل شخص هو فنان فيما يفعله ومن ضمنهم اللصوص. يمكننا أن نتناقش في الرسالة، ويمكننا أن ننقد المحتوى ولكن فعل التعبير عن طريق الفن هو فعل مقدس ويستحق التقدير بالنسبة لي. من أجل كل فناني: أخبره هذه الكلمات: أكمل طريقك، آمن بما تفعله، آمن بنفسك، وستصل إلى ما تريد…

عمال لڨدام وكروشها دازة،

ناوين على اللحيس والڨصعة فارغة،

بايعين الدنيا ومتسحرين بالآخرة،

ها ربي جيرنا، ها ربي جيرنا….

وعباد عدات حياتها تعاني،

من ظلم الناس يا وخياني

ماتت الڨلوب ووفات المعاني

ها ربي جيرنا، ها ربي جيرنا….

بهذه الكلمات تبدأ أغنية « جيرنا »، الأغنية الأولى لألبوم « ڨوم ». أغنية تعبر عن طريقين في الحياة، كل شخص منا يجب أن يمر بهما: الطريق الأول هو طريق الظلم والألم والمعاناة، والطريق الثاني هو طريق السعادة والأمل والحياة. لن نستطيع أبدا أن نصل إلى الطريق الثاني ما لم نجتز الطريق الأول. ربما تكون هذه هي الرسالة التي يكتبها اي فنان بين ضلوعه ويشمها على قلبه في انتظار أن يصل إلى الطريق الذي يستحقه. في النهاية نختم كما اعتدنا دائما: « لنا الفن والثقافة كي لا يقتلنا عفن الواقع، لنا الفن والثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة… »

فريق راديوشن _ غادة بن صالح