معسكر « Espwr’Art »: تونس أخرى بألوان الشباب والفنون ممكنة

تحت شعار « الشارع موطننا والكلمة كلمتنا » وعملا بمبادئ اللامركزية الثقافية والثقافة للجميع، نظّمت جمعية « فني رغما عني » معسكر « Espwr’ Art » انتاج وتدريب للفنون بمركز الاصطياف ببن قردان خلال الفترة الممتدّة من 18 إلى 24 ديسمبر 2017 بحضور 25 شاب وشابة قدموا من جهات مختلفة ذوي انتماءات فكرية وعمرية وثقافية وفنية متنوعة ساهمت في إثراء برنامج المعسكر واكسابه رونقا استيتيقيا خاصا وطابعا فريدا من نوعه.

1-جمعية « فنّي رغما عنّي »: في الرؤيا والتأسيس والخلفية والأعمال:

جاءت جمعية « فنّي رغما عنّي » على خلفية الوعي بتصحير دور الشباب والثقافة في عهد النظام السياسي السابق المتسبّب في خلق « ثقافة الممنوع » وقمع حرية التعبير وحجب وصنصرة كل عمل فنّي نقدي ذو رؤيا وهدف مغاير عمّا هو مشرّع قانونيا. حيث انبثقت في البداية كحركة سنة 2011 أين شاركت في تأثيث أحداث انتفاضة 14 جانفي بممارساتها الفنية، لتتأسّس فيما بعد كجمعية ثقافية مستقلة سنة 2013 بمدينة تونس تعمل على إعادة تفعيل الشارع التونسي كفضاء مفتوح للتعبير السياسي الفني والثقافي عبر تنمية القدرات الفنية للشباب الموهوب من الجنسين في الأحياء الشعبية والمهمّشة ومساعدتهم على تطوير وتدعيم تجاربهم وإتاحة الفرصة لهم لإنتاج العروض الأدائية التفاعلية.

 فجلّ أعمال جمعية « فني رغما عني » هي أعمال حقوقية فنية بامتياز تنتصر لثقافة حقوق الإنسان وتنبذ كلّ أشكال العنف والتمييز والاقصاء والتهميش، تسعى لإنتاج عروض عفوية فرجوية نابعة من أعماق الشارع ونبضه. متّخذة بذلك دور المثقف العضوي بالمفهوم الغرامشي القريب من الفئات الاجتماعية المفقّرة والحامل لقضاياهم. وتنقسم مشاريع الجمعية بين تنظيم لمعسكرات فنية في مناطق تونسية مختلفة ينتج عنها عروض فنية أو مشاريع إدارية تخدم التنمية المحلية مثل معسكر « زمكان » ومعسكر « ST’Art » للفنون من أجل الحوكمة المحلية. إلى جانب ذلك تشتغل جمعية « فني رغما عني » على مشروع « نحن هنا » الذي يهدف إلى ترسيخ قيمة الفنون والثقافة ودورها في التغيير والتنمية خاصة في المناطق الاجتماعية الهشّة، وذلك عبر تشييد أكبر عدد ممكن من المساحات التي تعنى بالنشاط الثقافي والفني في الوسط المدرسي، واحياء المبادرات الشبابية ومنح الفرصة للتلاميذ من أجل التمتّع بحقهم في الثقافة والدفاع عنه. إلى جانب متابعة الجمعية لسير الأنشطة والورشات التكوينية، أبرز هذه المشاريع نذكر: « نحن هنا « سليمان »، نحن هنا « سيدي بوزيد » ونحن هنا « القيروان ».

2-معسكر « Espwr’ Art » للفنون: تجربة إنسانية منتصرة لثقافة الحياة:

بحسب ما أفاده لنا « سيف الدين الجلاصي » رئيس جمعية « فنّي رغما عني »، يعدّ معسكر « Espwr’ Art » للفنون بمثابة مخبرا للتحاليل جمع العديد من الطاقات الشبابية الفنية من مناطق جغرافية مختلفة. تمّ وضعهم تحت مجهر المراقبة والتدريب على امتداد أسبوع كامل ضمن تجربة إنسانية فنية تهدف أوّلا لدفعهم للتعايش مع بعضهم البعض في كنف الاحترام المتبادل وفق منطق المجموعة. لينحتوا فيما بعد عند التقاء أجسادهم وأرواحهم المختلفة عملا فنيا حامل للقضية وذو فلسفة شبابية تحمل رؤيا مختلفة لواقع المجتمع التونسي الذي نشاهده من خلال أعينهم ونقرأه بألسنتهم ونتنفسه بأنوفهم.

حيث تمّ اختيار المشاركين بحسب ايمانهم بأهمية الثقافة ودورها الذي تلعبه في سياق التغيير الاجتماعي، على اعتبار الفنان هو جند من جنود التغيير له دوره في الحراك السوسيوسياسي. بالإضافة لوعيهم بأنّ الثقافة ليس لها حدود جغرافية أو مواقيت زمنية محدّدة، ولا تتكلّم لغة واحدة وليس لها لون واحد. فالثقافة هي في حدّ ذاتها ثقافات لا متناهية ليس لها مركز معيّن، وهذا ما يفسّر سبب اختيار جمعية « فني رغما عني » لولاية « بن قردان » الذي كان سببا سياسيا بالأساس تشجيعا لثقافة الجنوب وللقول بأنّ لكل جهة في تونس الحق في التمتّع بالموارد الثقافية والفنية. خاصة وأنّ هاته المنطقة وعلى خلاف ما يروّج عنها بكونها منطقة توتّر وأرضية خصبة تتمعّش فيها الأعمال الإرهابية على الحدود الليبية، هي منطقة تعجّ بالطاقات الشبابية الحيّة غير المسموعة والمدفونة بين براثين ظروفهم المعيشية.

إلى جانب ذلك، تميّز معسكر « Espwr’ Art » بنظام عسكري صارم وقوانين مضبوطة تلزم المشاركين بالضرورة على احترامها يتمّ اقصائه عند مخالفتها. فبرنامج المعسكر كان يفتتح من الساعة الثامنة صباحا ليختتم على الساعة العاشرة ليلا يتخلّلها فترات قصيرة من الراحة بين ورشات التدريب التي أشرف عليها كلّ من أستاذ الرقص فرج كوّاش وأستاذ المسرح يوسف مارس. كان الهدف من معسكر « Espwr’ Art » للفنون هو انتاج عرض فرجوي حي في علاقة بحقوق الانسان المهضومة، يُعرض بالأساس في الشارع بتقنيات لوجستيكية بسيطة. يروي قصصا مستوحاة من واقع المشاركين واحتياجاتهم وما يعيشونه من قضايا واشكاليات اجتماعية بطريقة كوريغرافية فنية راقصة تصوّر نظرة كلّ مشارك ورؤيته للفضاء الاجتماعي الذي يعيش فيه.

وقد قدّم لنا سيف الدين الجلاصي سبقا عن ماهية التسمية التي يمكن أن يتّخذها العرض في المستقبل، إذ يمكن أن يسمّى « الفويت » وهي تسمية مستنبطة بحسب تعبيره من رحم الخروج عن المجاري المخصّصة في الفكر والنظرة وأسلوب الحياة وكسرها بغاية القطع مع ثقافة القطيع. حيث بيّن سيف بأنه بداخل مجتمعنا هناك قطرات تسير خارج المجاري المخصّصة لها في السرب. فعرض « فويت » هو عرض بسيط في شكله لكنه عميق في مضمونه، إذ لا تهدف « جمعية فني رغما عني » البحث عن آليات الجمال وتصوير الفن في برجه العاجي بقدر ما تبحث على عفوية العروض وقربها من المواطن التونسي البسيط.

وبعد تقديم العرض ما قبل الأول في سياق عائلي مضيّق، بيّن سيف أنّ سيتمّ في المستقبل القريب إعادة الاشتغال عليه وتوزيعه في المحافل الدولية والمهرجانات وذلك بعد اختيار أكثر العناصر التي كانت فاعلة ومتميّزة داخل المعسكر. وعلى الرغم من صلابة نسق النظام العسكري الذي عاشه المشاركين إلى جانب الظروف المناخية القاسية، إلا أنهم كانوا لحمة واحدة وروحا وجسدا واحدا وهو ما جعل من هاته التجربة تكون إنسانية بامتياز يتعلّم فيها الفرد الذي اختار الفن طريقه أن يكون انسانا قبل كلّ شيء وصوتا للحق ونصيرا لثقافة الاختلاف وصامدا في وجه الظلمات أعداء الحياة.

وفي الختام لا يسعنا أن ننهي هذا المقال سوى برسالة سيف الدين الجلاصي التي وجهّها لوطنه حيث يقول « تونس أخرى ممكنة بالألوان والفكر النقدي، تونس أخرى ممكنة بالنهضة الثقافية لا النهضة السياسية ».