منيار الذهبي: الرسم كياني وعالمي

بين الهندسة المعمارية والرسم وُلدت منيار الذهبي. شابة في التاسعة عشر من العمر تدرس لتصبح مهندسة وتعيش عبر الرسم ومن أجل الرسم.

تتحدث منيار عن طفولتها فتقول: « أولويتي الأولى كانت أن أعين الأطفال أردت أن أصبح طبيبة أطفال في البداية ثم بدأت تلك الرؤيا تتغير رويدا رويدا

مصادر الإلهام

أعمل على عدم الكمال والجمال في نفس الوقتأردت أن أبين جمال الناس عن طريق عيوبهممجموعتي الأولى كانت تبين العيوب التي يراها الأشخاص، النمش، الأنف الكبير، الشعر الأشعثتغير مفهوم الجمال، وبدأت أتعمق أكثر وأتوسع أكثر من رسم الوجوه.كلما كثرت التجاعيد والعيوب في البشرة كلما كان أكثر جمالا. الجمال الحقيقي يبدو في تلك العيوب لأنها إشارات للصراعات والتحديات والمشاكل التي تعرضنا لها.كل تلك العثرات التي واجهناها جميعا وطبعت ببصمتها على وجوهنا وبشرتنا هي ما يجعلنا ما نحن عليه وهي ما يشكل جمالنا الحقيقي وليس ما نتسم به من جمال ملامح أو صفاء بشرة.من وجه الشخص يمكنك أن تعرف كم هو متعب. كل شخص مرهق من عيش صراعاته الداخلية، كل شخص مستنزف مما يمر به، من صراعاته ومشاكله وأحزانه ومخاوفه وما يحمله كعبء داخلي لا يدريه أي أحد. ذلك ما يخلق الجمال في نظري.


التجارب، هي ما أردت أن أبينه، لأن التجاعيد كلما ظهرت أكثر كلما كان الشخص أكثر جمالا. كلما كانت اللوحة مليئة بالنقاط والتجاعيد والعيوب كلما كانت أكثر واقعية وحقيقية وقريبة للمشاعر. للجمهور حينما يرى لوحات مماثلة يشعر بتلك الأحاسيس التي أبثها في لوحاتي.ركزت على صور الفقراء والمرضى وأولئك الذين يموتون يوميا.تجاوزت تلك المرحلة، وبدأت أحاول ما تركته التجارب من أثر في نفس الإنسان، من نظرات العيون، من ذلك الحزن الذي يقبع خلق الأفكار، الأثر الذي تركته الحياة منذ الطفولة والإلزام باتباع المسار المفروض الذي سطرته التجارب. الوقت شيء ثمين وسريع للغاية يمر دون أن نحس به. هو ما يشكلنا وما يصنعنا ونحن نتغير حسب تجاربنا مما كنا عليه إلى ما أصبحنا عليه. أردت أن ألمس الروح وأخرجها للعلن. أصبحت أستعمل الأشكال وأجعل الألوان مختلطة لأن الروح لم تكن أبدا روحا منظمة. الروح هي عبارة عن مشاعر وألوان وأحاسيس وتجارب وأفكار وروؤى مختلطة ولا يمكن التعبير عنها بالتقيد بنماذج محددة.بدأت أعمل على نوع من الفن، حينما يتحطم شيء ما، في اليابان كانوا يصلحون ما تحطم بمياه الذهب. فقط لنبين أننا مثل ذلك النوع من الفنّ بالضبط. ما يحدد جمالنا هو ما جعلنا نتحطم وكلما كنا محطمين أكثر كلما ازددنا جمالا. حينما نحاول إصلاح أنفسنا سنكون أكثر معنى وأكثر قيمة. كل هذا كان من مصادر إلهامي.

بعد ذلك رسمت صورة شخص تنزل من عينيه دموع ذهبية، وهناك مجموعة من النحل تشرب تلك المياه الذهبية وهي رمزية إلى الأشخاص الذين يقتاتون من دموعنا وللأشياء التي تحدث لنا دون أن نريدها.آخر « بورتريه » رسمته أردت أن أخرج من مواضيعي المألوفة، فاخترت وجه امرأة وأردت أن أظهرها مقاربة للطبيعة بكل عيوبها التي تخفيها مساحيق التجميل. وبدأت برسم النجوم على وجهها. هناك نجوم تكون مرتبطة ببعضها في المجرة، فحاولت رسمها مرتبطة بخيوط من ذهب. بدأت أحاول إدخال اللون الذهبي، والتركيز على نظرة عيونها المتألقة لأخرج في النهاية بالعبرة التي استلهمت منها عبرة لوحتي « سماء كل شخص مليئة بالنجوم ».ليس هناك منظور واحد للطريقة التي تنظر بها إلى لوحة. فمثلما لا يمكنك النظر إلى لوحة لفان غوغ أو سلفادور دالي بنفس الطريقة لا يمكنك تجريد لوحة من المعنى الذي بدأت به حينما أخذت تتشكل من عقل الفنان إلى الورقة البيضاء.

الصعوبات

لم أواجه كثيرا من الصعوبات. في علاقة بالرسم، أرى أن الإشكال أن الرسم يمكنه أن يبعدني عن الدراسة. صحيح أني منظمة وأجيد تقسيم وقتي بين الدراسة وبين الرسم. ولكن حينما ترسم لوحة ما. وهنا أريد أن أتحدث عن الفن عامة، حينما تنجز شيئا غير تجاري ونابعا من نفسك وليس مخصصا للبيع فكيف يمكنك أن تعيش منه بعد ذلك؟ أنا ارسم من أجل الرسم، أرسم لأنني أحب الرسم وحتى ان استعملت وجه شخصية شهيرة فيكون ذلك لأنني أريد أن أقتبس ذلك الوجه وأضيف عليه بصمتي الخاصة.

لم أكن أبحث أن تكون رسوماتي واقعية ولم أكن أرسم من أجل الأشخاص وحسب الطلب. كنت أفكر في الفكرة وفي التفاصيل وأضع فيها من نفسي ومن روحي ولا أستطيع بعدها أن أترك النظر إليها. وكل ما يأتيك من الأشخاص بعد ذلك هو انتقادات من نوع « أنت لا ترسمين بواقعية، وهذا الرسم ليس جميلا ». الناس لا يلتقطون الفكرة من وراء اللوحات ومن وراء الفن، أعتادوا على استهلاك الجاهز والسهل ولا يريدون تجاوز السطحي نحو أبعاد أعمق. إن الرسم لا يدور حول جعل الأشياء مثالية وكاملة. هناك أشخاص يقارنوني بأشخاص آخرين لا أدري عنهم شيئا، وهناك أصلا من يصل إلى شتمي ونعتي بأني مغرورة والحال أني انسانة بسيطة لا أدعي شيئا أنا لست عليه. لا أحد يهتم بما أهتم به، ولا يهتمون للفكرة أو للرسالة. إن كانت صورة امرأة جميلة فسيحبونها للحظة ثم يختفون ولكن إن كان العكس فلن يصبح الرسم سوى شيء غير مفهوم بالنسبة لهم.

أنا أعشق الشعر وأستمتع به. شعاري المفضل هو رودي فرانسيسكو وهو ما أثر بي للغاية.

الدعم والتحفيز

عائلتي كانت سندي الأول وكل أساتذتي للتربية التشكيلية الذين شجعوني ودفعوني للرسم. في مرة رسمت لوحة بورتريه وحملتها لأستاذي وكنت مقتنعة بأنها لوحة سيئة للغاية ولكن أستاذي مدحني وأصر أنها لوحة جميلة. كل اساتذتي كانوا يمنعونني من الرجوع إلى الخلف ويحثونني على الاستمرار إلى أن صار الرسم جزءا لا يتجزأ مني: الرسم كياني وعالمي الذي لا أستطيع العيش دونه.

الفكرة الداخلية

ما أريد أن أعبر عنه هو الألم. أريد من الناس أن يحسوا بالألم لأن الحياة تدور حول الألم حتى العيون. لا أقصد أن كل الناس يعيشون في التعاسة. هناك أزمات وجودية وتعاسة وألم وحزن وأنا أريد التعبير عن كل ذلك. نحن لا نقدّر بعضنا ولا نحب بعضنا وخاصة لا نرى صراعات بعضنا وآلام بعضنا. أنا أؤمن بأن التعاطف هو ما يلزمنا لكي نستطيع التعايش بسلام. حينما نتعاطف مع آلام الآخرين سنستطيع أن نراهم وحينما نراهم يمكننا الشعور بهم

هناك أشخاص يتألمون من أجل أسباب تبدو للآخرين أسبابا تافهة. لا يوجد ألم تافه أو سبب تافه للألم.

الرؤية والأحلام

أريد معرضي الخاص وأن أستمر في إيصال رسالتي عبر لوحاتي وأن تصل تلك الأفكار. أنا لا ارسم للمتعة وللمرح، أنا أرسم من أجل الأشخاص ولكي أجعل الآخرين يحسون بهم. مازلت أحب الأطفال وأهتم لهم فعلا وخاصة لأحلامهم وأنا فعلا حزينة لما يحدث حول العالم للأطفال. أريد أن أحقق مستقبلا جيدا وأحتفظ برؤيتي وأفكاري وأتمنى ألا أرسم من أجل المال لأنني فعلا لا أطيق ذلك.

الرسالة

من أجل الشباب الذين يرسمون أو يمارسون أي نوع من الفنون. أشجعهم وأساندهم. أنا أؤمن بقيمة التجربة وقيمة السقو من أجل النهوض مرة أخرى. ذلك الشعور الذي يضعه أحدهم في عمله الفني وذلك الألم وذلك الصمود هو ما يهمني وأهتم له فعلا واشجعه وأدافع عنه. ليس هناك ماهو أكثر قيمة مما نشعر به. أشجع الناس أن يشاركوا أعمالهم وفنونهم، لأننا نريد أن نرى الفنّ ونستمتع به.

في النهاية يظل الفن هو ما يبقينا على قيد الحياة. هو ما يبقي أرواحنا مشتعلة ومتوهجة، هو ما يقينا عفن الواقع ويضيف إلى الحياة شيئا من الحياة.

فريق راديوشن – غادة بن صالح