مهرجان سينما السلام؟: السينما هي الخدعة الأجمل في التاريخ!

« السينما هي كيفية أن تعيش أكثر من حياة، حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده »، هكذا يقول كاتب الأفلام الأمريكي روبرت ألتمان. السينما، تلك المرآة التي تظهر حقيقة الإنسانية وتخاطب أعماق الروح. السينما، ذلك الحقل الفني الذي يعجّ بتجارب جمالية قائمة على حوار حقيقي بين ثقافات شعوب مختلفة دون قيد زماني أو مكاني.

اليوم نجد أنفسنا على موعد مع الدورة التاسعة عشر من مهرجان سينما السلام؟ المهرجان الذي تحاكي شاشته  تجليات الواقع، معبّرة عن مكنونات تجول بأفئدة الناس وتراود عقولهم الباطنة محاكية تخيلاتهم لمصائرهم المنشودة. المهرجان الذي يناضل من أجل وضع أسس لسينما مبدعة وخلاقة، سينما الإنسان، سينما السلام؟ والذي ستدوم دورته الحالية من 12 إلى 17 مارس بقاعة الريو بالعاصمة.

تلعب السينما دورا حيويا هاما في المجتمع لما تطرحه من معاناة وهموم و قضايا انسانية، وما تحمله على عاتقها من مهام تربوية وتثقيفية وتوعوية. لتكون بالتالي مرآة للتاريخ، تؤرخ لأدق تفاصيل حياة الإنسان وأهم محطاته بأسلوب فني فريد من نوعه. فالسينما لم تخلق من فراغ، وإنما وجدت ترجمة لحاجة الإنسان للفن كوسيلة للتصريح برأي أو إحساس أو التأسيس لرؤية أخرى للعالم تحقيقا لمقولة أليستر ماكفرلين جويند: » الفن وسيلة لالتقاط العالم لا العالم المادي وحسب مثلما يحاول العلم أن يفعل، وإنما العالم ككل، وتحديدا العالم البشري، عالم التجربة الروحية »، وهو ما يعمل على تكريسه نادي سينما تونس من خلال مهرجانه السنوي سينما السلام؟.

أفسح هذا المهرجان المجال على إمتداد 19 سنة أمام المواهب السينمائية المستقلة من العالم لعرض إبداعاتهم أمام الجماهير التونسية وعلى وجه الخصوص الذائقة الطلابية -كونها تمثل أغلبية الجمهور المتفرج- بهدف تنمية فن السينما في تونس وتعميق التزامه بهموم ومشاغل الإنسان، عبر تنظيم حصص النقاش ومنابر حوارية حول بعض المسائل الفنية تحت إشراف منشطي الجامعة التونسية لنوادي السينما. يكمن الغرض منها في التأسيس لأسلوب تعاملي مختلف مع المشاهد، أسلوب يخرج عن المألوف الذي يتعامل مع المتفرج بشكل اعتباطي كذات متلقية، ليصبح أسلوبا يتعامل مع المتلقي كذات ناقدة تتمتع بالحس النقدي واستقلالية الموقف.

ففي الدورة الحالية، ستعقد ثلاثة لقاءات هامة تتناول أولها نقاشا عن المصير الرقمي لأرشيف السينما الجزائرية مع نبيل جدواني، أما اللقاء الثاني فسيكون مع فاطمة الشريف حول  » تونس، الذاكرة اليهودية: صدى الأرشيف ». كما سيكون اللقاء الثالث في شكل مائدة مستديرة تتناول « أرشيف الجامعة التونسية النوادي السينما؟ شهادات وذاكرة ». ويعدّ الإنسان القضية المحورية والأساسية لمهرجان سينما السلام؟، إذ أن كل دورة جديدة تقام تعدّ خطوة إلى الأمام في البحث حول موضوعات تخصّ الذات البشرية وماهية وجودها.

هو مهرجان يسلط الضوء بشكل ميكروسوسيولوجي على ما يكمن بين طيات المسكوت عنه. وفي حين كان العنف موضع الدورة السابقة من مهرجان سينما السلام؟، فإن الدورة الحالية تبحث في المصائر الفردية في شعوب مختلفة من العالم. ولعل ذلك ما نستقرئه من المعلقة الرسمية للمهرجان التي تحاكي المصير المنشود للفرد ورغبته في إطلاق العنان إلى الأمام نحو التغيير، من أجل التحرّر من براثن الواقع الحاضر وقيوده.

انطلاقا من رؤية أنثروبولوجية مركزية ومن ثقافة سينمائية بديلة ترفض المفهوم المتداول للمسابقات والجوائز، مؤسسة لثقافة سينمائية للجميع، تمّ برمجة مجموعة من الأفلام العالمية والعربية تحاكي تيمة المصير وما تبقى منه. من أبرزها فيلم بعنوان « فوت أوف » للمخرج الجزائري فيصل حمّوم، يتناول الوضع السياسي بالجزائر. كما نجد فيلم « ورد مسموم » للمخرج المصري أحمد فوزي صلاح، يحاكي تغيير مصير شقيقين، حيث تدور أحداثه حول قصة شاب أراد أن يثور على واقعه الاجتماعي المرير والسفر لإيطاليا باحثا عن ذاته المفقودة، لتبقى أخته وحيدة وتائهة دون أمل في تحقيق ما تصبو إليه.

بالإضافة إلى فيلم « إستعادة » للمخرج الفلسطيني كمال الجعفري، حيث عمل من خلاله على استقراء مدينة يافا وتصوير معمارها وشوارعها بواسطة تجميع الأفلام الروائية العالمية التي صورت في مدينة يافا بين سنوات الستين وأواخر الثمانين، ماحيا الممثلين من الكيان الغاصب من وسط الصورة بإستعمال الطرق الرقمية معيدا الواجهة للفلسطينيين الذين كانوا على هامش الصورة من المارين أو على الشرفات.

في كل دورة جديدة من مهرجان سينما السلام؟ نكون على موعد مع الإنسان والعدالة الاجتماعية، على موعد مع الحب والجمال، على موعد مع تعرية لقبح الواقع وتلوينه بأسلوب فريد دون مغالاة. ومع اقتطاع كل تذكرة جديدة لا نربط أحزمة الأمان، وإنما نقتلعها من جذورها تاركين المجال أمام مخيلاتنا  من أجل السفر والتحليق عاليا نحو المنشود و الموجود، نحو الحياة كما نريد أن تكون » فنحن نحب الحياة لأننا نذهب إلى السينما ».