مهرجان « موجودين » للأفلام الكويرية: من أجل إرساء مجتمع اللاعنف

كنّا هذا الأسبوع على موعد مع حدث ثقافي فريد من نوعه يقع لأول مرة لا فقط في تونس وإنما في العالم العربي بأسره آلا وهو مهرجان الأفلام الكويرية الذي أشرفت على تنظيمه جمعية موجودين في فضاء « التياترو » على امتداد ثلاث أيام متتالية من 15 إلى 18 جانفي، وسط حضور كثيف للجمهور وبرنامج ثري ومتنوع لعروض فنية وأشرطة سنيمائية وندوات فكرية العلمية المعالجة للمواضيع المتعلقة بالأقلية المثلية ومجتمع الميم في تونس ورفع اللبس عن بعض المفاهيم والحد من رهاب المثلية.

تعلمون بأن مجتمعنا الأبوي مليء بالعديد من التابوهات المتأسّسة على الثالوث المحرم وهي الدين والسياسة والجنس والتي بفعلها تحدد الضوابط الأخلاقية للأفراد وتستساغ الشروط والقواعد المنظمة لنمط المعيش تعرّض مخالفها للعقاب. ففي سياق المجتمع التونسي، يبنى الجنس على أساس النوع بحيث تحتّم على الرجل والمرأة توجهات جنسية مضبوطة لا يجوز تجاوزها. وهو ما نفته سيمون دي بوفوار على اعتبار أن الانسان كائن مجنس له حرية اختيار ميولاته الجنسية دون ضرورة تدخل المجتمع في ذلك.

فأن تكون حاملا لميولات جنسية مختلفة في مجتمعنا، فذلك يعني أنك ستتعرض لأشد أنواع العنف والاقصاء والنبذ المسلطة من قبل الوعي الجمعي وأيضا من قبل منظومة القوانين المشرعة من قبل القضاء مثل قانون 203 المنصوص في المجلة الجزائية والتي من رحمها انبعثت جمعية « موجودين » التي تأسست سنة 2014 بهدف الدفاع عن حقوق الأقليات المثلية في تونس.

وفي حوارنا مع رئيس الجمعية علي بوسالم حول الأهداف التي انطلق من أجلها مهرجان موجودين للأفلام الكورية (يعني هذا المصطلح الأفراد ذوي التوجهات الجنسية المختلفة) بيّن لنا بأن هذه التظاهرة الثقافية قد نشأت من خضم « سينما كلوب موجودين » ضمن ثقافة نضالية بديلة تعكس الإرادة الشبابية للوجود والتعبير لا فقط من خلال المحاضرات والملتقيات الفكرية و إنما أيضا بواسطة مقاربة فنية لمجموعة من الأفلام المغربية والشرق أوسطية والافريقية تتحدى بأسلوب جريء الفكر السائد كسلط للمعايير الجندرية والجنسانية الطاغية المضطهدة للحق الإنساني في التنوع والاختلاف والحريات الجسدية، مسلطة الضوء على جملة من المفاهيم الأساسية التي لا تزال إلى حد الآن ضبابية وخاطئة في اللاوعي الجمعي.

من بين هذه الأفلام، نجد الفيلم الوثائقي حول الناشطة السابقة لحركة « فيمين » أمينة للمخرجة التونسية ندى مازني حفيظ المتوج في الدورة الأخيرة لأيام قرطاج السنيمائية. بالإضافة للفيلم المصري  » Half a life » والفيلم الأردني « Women and girls » وغيرها من العروض السنيمائية التي أشرفت على تقيميها لجنة تحكيم متكونة من ثلة من الناشطين والممثلين أبرزهم فاطمة سعيدان ونادية بوستة.

وحول الأجواء العامة للمهرجان وتفاعلا الجمهور، كان الافتتاح الذي أقيم بالمعهد الفرنسي وسط العاصمة متميزا بحضور عدد كثيف من المشاركين بنسبة فاقت عدد المقاعد المخصصة للجلوس داخل القاعة مما اضطرهم لافتراش الأرض كدلالة على مدى تعطشهم لاكتشاف هذه الثقافة والغوص في غمارها وتذوقها بنهم شديد. وقد تكرر هذا المشهد بقية أيام المهرجان الى حين موعد اختتامه وسط حشود غفيرة من الجماهير المؤمنة بضرورة تقبل الاخر واحترامه مهما كانت اختلافاته الفكرية والعرقية والجنسية.

وهكذا يظل الفن دائما نصيرا للحقوق والحرية والسلام، نصيرا للحياة وللحب، نصيرا للإنسان.