« ناس الغيوان، جيل جيلالة، المشاهب »: الثلاثي الموسيقي العملاق الذي هزّ عرش التراث المغربي في زمن الستينات والسبعينات:

يعكس كل موروث شعبي عراقة مجتمعه وأصالة جذوره، بما يجعله مختلفا في بصمته وهويته عن باقي المجتمعات. واليوم، قررنا أن نسافر بكم عبر آلة الزمن بين ثنايا الموروث الموسيقي المغربي لنحط بذاكرتنا في عشرية الستينات والسبعينات. وهي عشرية لم تبقى محدودة بحدود الزمن ولم تبقى سجينة لحبر أقلام كتابها وصفحاتهم البيضاء التي نقشت بألحانها، وإنما لا تزال إلى الآن تاريخا مكتوبا ومعزوفة مسموعة ومحفوظة ومألوفة في ذاكرة المجتمع المغربي. نظرا للثلاثي الموسيقي العملاق « ناس الغيوان، جيل جيلالة، المشاهب » الذي برز في تلك المرحلة في بحث عن ثمار البدايات التي نضجت قبل آوانها على وقع صرخات التمرد الذي أعلنها توماس سانكرا ضد الاستعمار الفرنسي حينها الذي أغرق افريقيا في نزاعات طويلة.

كانت البداية « لناس الغيوان » التي افتتحت السباق في ملحمة الإبداع الموسيقى الملتزم المستسقى من رحم الحي المحمدي الشعبي بدار البيضاء التي نشأة فيه والتراث المغربي لنصرة القضايا الاجتماعية والسياسية والوجدانية خلال الستينات. لتنبثق عنها فيما بعد كلّ من فرقة المشاهب وجيل جيلالة لشدة تأثرها بنمطها الموسيقي فتنسج على منوالها بواسطة جملة من المقطوعات الموسيقية عرفت بطابعها المتمرد على كل ما هو سائد ومحتواها الناقد. إذ لم يعبر هذا الثلاثي طوال مشواره الملحمي من الطريق المفتوح تحت الأضواء المهللة، وإنما اختار أن يسلك مسلكا حربيا في غابات الصوت المغربي دون أن يأبه بالعواقب. فهمهم الوحيد كان إعلاء صوت الحق ونصرة المظلومين والمهمشين بواسطة كلماتهم وألحانهم الثورية.

فكتبت بموسيقاها بيوغرافيا الجوع وانتصرت للقضية الجمالية بأصوات من التراث وتنقل مواضيعها من الخبز الحافي وهواجس الفقير إلى الحالات الوجودية التي تكلمت عن التغريب والعزلة والغياب. وهو جعل « ناس الغيوان، جيل جيلالة، المشاهب » تمثل حالة قلق موسيقي واجهت عصرا ملغوما بالحروب السياسية بواسطة مغامراتهم المستمرة في تأليف الالحان والتحديث الموسيقي والحفر في طيات الثقافة الشعبية المغربية والبحث عن الاختلاف.

*ناس الغيوان و شعلة البداية:

مثلت ناس الغيوان خلال عشرية الستينات والسبعينات ظاهرة موسيقية عالمية ذاع صيتها خاصة بين أرجاء الأوساط الشبابية الحاملة للإيديولوجية اليسارية نظرا لتميزها بطابعها الموسيقي المختلف والغير المعهود من قبل الذوق الموسيقي المغربي. لدرجة أن تمّ تسميتها من قبل بعض الباحثين بظاهرة الغيوانية.

تأسست ناس الغيوان في البداية من خمسة أعضاء وهم على التوالي: بوجميع أحكور، العربي باطما، عبد الرحمان باكو، علال يعلي وعمر السيد. حيث شكلوا بالتحامهم خليطا من الجنون والفوضى الموسيقية الخلاقة التي رسمت عهدا موسيقيا جديدا للتراث المغربي. فما يميز هذه الفرقة هو طابعها العصامي، إذ أن أعضائها لم يكونوا بمتخرجين من معاهد موسيقية. وإنما كانت الموسيقى موهبة سارية بألحانها ونوتاتها في مضخّات دمائهم وقلوبهم النابضة بالحياة والتي اختلطت بأنفاسهم التي تتوق شوقا للحرية.

تم تسمية هذه الفرقة في البداية « بالدراويش الجدد » لكنه لم يعمر طويلا، إذ سرعان ما عثر بوجميع على اسم جديد مستوحى من التراث الفني الخاص بصحراء المغرب وهو ناس الغيوان للدلالة على أهل الترحال والتجوال المتسمين بصفات المحبة والخير والسلام وهو ما سينعكس على أغانيهم المتجاوبة مع هموم اليافعين وعكست قلقهم الفكري والوجداني وأحلامهم. لتشكل بالتالي جيل احتجاج له فعله السياسي الخاص به عبر باقة موسيقية لا تزال تحفظ كلماتها إلى الآن وأشهرها معزوفة « ضايعين » و « صبرا وشتيلة » إضافة « لمهمومة » التي تقول: » مهمومة ياخي مهمومة، مهمومة هاذ الدنيا مهمومة، (…) عمرو لحباسات بطفال مهمومة، ماتو الرجال برسايل ملغومة، عمرو لسواق بردايل الفاني، تبنات البيوت بفحايش مسمومة، نوح يا غراب هاد العالم مسالي ».

*المشاهب ورحلة الخلق الموسيقي:

تميزت هذه الفرقة لا فقط بطابعها الغنائي المتمرد على التصور التقليدي للموسيقى المغربية، وإنما أيضا تميزت بطابعها النسوي بضمها لعنصر نسائي وهو ما كسر الطابع الذكوري الذي طبع الموسيقى المغربية حينها. ففي انطلاقتها الأولى سنة 19721، جمعت لمشاهب بين الأخوين أحمد ومحمد الباهيري وشريف لمراني وسعيدة بيروك (من فرقة طيور الغربة) بإدارة محمد البختي.

حيث لم تكن هذه التشكيلة متأثرة بسنوات الجمر التي عايشتها خلال السبعينات فقط، وإنما كانت كذلك منصتة لرياح التغيير القادمة من الغرب. فتشبعت بثقافة الهيبيز وأطلت بعين ثاقبة على حركات التحرر في العالم والمد الاشتراكي في ذلك الوقت. ففي مستوى الكتابة الزجلية والأداء الغنائي، اعتمدت المشاهب في مقطوعاتها الموسيقية على لغة بسيطة من وحي البادية وثقافة حيها الشعبي « المحمدي » معقل ناس الغيوان. وهو ما ساهم في جعل أغانيها ذات وقع وتأثير كبير على محيطها المحلي والعالمي، إلى جانب تحديثها في آلاتها الموسيقية.

ففي حين كانت فرقة ناس الغيوان تستعمل آلات من وحي التراث مثل البندير قامت المشاهب بإدخال آلة المندولين على إيقاع الفرقة وتطويرها. وهو ما ساهم في انتاجها للألحان مختلفة رسمت مقطوعاتها الموسيقية، ومن أبرزها معزوفة « داويني » التي أحدثت ضجة كبيرة حينها نظرا لتضمنها لحطاب سياسي مباشر للفرقة ودون أقنعة تقول فيها: » ولعفو يا بابا وش الحق يزول، القلوب الكذابة نسونا في المعقول ».

*جيل جيلالة: المرآة العاكسة لمشاكل عصرها:

ظهرت بعد ستة أشهر فقط من ظهور ناس الغيوان، حيث ترمز تسميتها للمنهج الذي ستتبعه طوال مشوارها الموسيقي القائم على المراوحة بين الانفتاح على كل ما هو عصري والنهل من التراث المغربي القديم. الأمر الذي ساهم في تحويلها لهمزة وصل بين الماضي بموسيقاه الثرية والحاضر بتنويعاته الفنية. فكانت مختبرا موسيقيا ضم أسماء هامة وأبرزها محمد الدرهم وعبد العزيز الطاهر المختصين في البحث والنبش في التراث، إلى جانب صوت المايسترو الطاهر الأصبهاني الذي يعد من بين الأعمدة الأساسية لجيل جيلالة. حيث عرفت هذه الفرقة إشعاعا على المستوى المحلي والعالمي بسبب فرادة توجهها الموسيقي وطابعها الشعري المتميز وطريقة أدائها الخلاقة والجذابة للمستمع. بالإضافة إلى تنوع تقنياتها الفنية، فعلى المسرح لا نشاهد عزفا موسيقيا فحسب بل مزيجا من الموسيقى والرقص المتناغمة مع آلاتهم العازفة وسط مناخ منسجم بين أرواح العازفين. ومن أشهر أغانيهم التي طبعت مسيرتهم الفنية نجد مقطوعة « الرعد » التي تقول: » صاح زارني محبوبي يامس، كنت صايم، شهدة قطعت وجنيت الورد، قالوا كليت رمضان »

إذن، لكل منّا أسلوبه الخاص للتعبير عن حبه لوطنه والسعي للارتقاء به نحو الأفضل. كل من موقعه الخاص يعمل على تخليد أثر مروره من هذا العالم. فالموسيقى لم تخلق فقط للترفيه والترويح عن النفس فقط، وإنما خلقت لتعزف ألحانها قضايا شعوبها وهموم صاحبها ولكي تكون سلاحا ضد الفساد وصرخة في وجه الظالم.

فالموسيقى ديانة الإنسان الصالحة لكل زمان ومكان، تحول دون الموت برصاص الحياة. يتجاوز صوتها ضجيج الأفكار لتسمعنا صوت الروح والمعنى والوجود وهو ما عمل على تخليده الثلاثي الموسيقي العملاق ناس الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب.