نضال الرويسي: يحتاج وطني إلى جرعات مكثفة من « الدوبامين »!

تكمن السعادة في متعة الإنجاز و نشوة المجهود المبدع »، هكذا يفسّر بنجامين فرانلكين مفهومه للسعادة.  الحقيقة وأنّ لكلّ منّا على وجه هاته البسيطة فلسفته الخاصة عن السعادة، إذ هناك من يستقيها في فعل تلبيته لمجموع رغباته و إشباع ملذاته، وهناك من يستلهمها ممّا يحققه من انجازات وأهداف ورسم لأثار خطواته وراء حلمه بشغف كبير ونشوة غامرة.

تماما مثل نضال الرويسي، هذا الشاب التونسي الذي إختار أن يكون مصدر سعادته يكمن في إنجازه لدوبامين، عازما من خلالها على نشر قيم الثقافة والفن و السعادة والتغيير في محيطه المحلي بصفاقس.

يقول المفكر وعالم الاجتماع المصري عبد الوهاب المسيري أنّ: » السعادة لا تهبط من السماء، وإنما هي مثل العمل الفني لا بدّ أن يكدّ المرء ويتعب في صياغته وصناعته ». لم تكن ولادة دوبامين بالأمر الهيّن، وإنّما كانت بذرة من الحلم نمت بشكل تراكمي داخل نضال وسكنه على مرّ سنوات إنقضت، إلى حين دقت ساعة إلتماسها لنور الأرض منذ ما يقارب التسعة أشهر ودخولها فعليا في معترك الإنتاج الثقافي والفكري بشكل فني في صفاقس.

نحن الآن نعود بآلة الزمن إلى سنة 2011، حيث تولّدت عند نضال رغبة ملحة إزدادت لهفة تلبيتها مع مرور التجارب وتراكمها بفعل ما عايشه من مغامرات ثقافية ونقاشات داخل مقاهي بدأت تبرز في العاصمة التونسية في تلك الفترة. رغبة تتمثّل في إنشاء فضاء ثقافي يعمل على التجديد في مفهوم المقهى والقطع مع نمطيته الاستهلاكية التي يغرق فيها، ليتحوّل بذلك من مجرّد مكان لشرب القهوة واللغو ولعب « الكارطة و الشكبة » إلى فضاء يصبح فيه مرتادوه فاعلين منتجين لأعمال فنية ومسرحية وموسيقية وغيرها من الممارسات الثقافية.

فعوض أن تكون مجرّد مستهلك للمشروبات، تصبح الخالق والمبدع والمنسج والمغيّر يرقص على أناملك أرجاء الكون بكل ما يحمله من موسيقى ونسيم جمال قاراته ومحيطاته. حيث أراد نضال أن ينسج على منوال ما ألهمه من مقاهي ثقافية في تلك الفترة ضمن أرضية خصبة ومتعطشة لمثل هذه الفضاءات. ومنذ سنة 2016، بدأ بالتنفيذ لكنّ الأمر لم يكن ناجحا منذ الوهلة الأولى لصعوبة الإمكانيات وقلّتها.

على الرغم من ذلك، عزم نضال على أن يعيد التجربة مرّة آخرى في محيط جديد، ذلك أن نضال لا يعترف بالفشل، فالفشل ليس سوى كذبة كبيرة ووحدهم الفاشلون هم مؤسسوا الجمال وزارعوا الضياء في ليل هذا العالم. إختار نضال هذه المرّة صفاقس وبدأ على الفور بالتنفيذ مستعينا بمجموعة من أصدقائه، كلّ بمجهوده الخاص ساهم في بناء وتجهيز دوبامين، هذا الفضاء الثقافي الذي لاطالما حلم به

إذ أنّ إختياره لصفاقس لم يكن مجرّد صدفة أو قادم من فراغ، وإنما جاء نتيجة ما لاحظه نضال من حاجة ملحّة من قبل سكانها المحليين وخاصة فئة الشباب لأعمال فنية وثقافية تستجيب لتطلعاتهم وطموحاتهم. إلى جانب رغبتهم في توفر فضاء يتسطيعون من خلاله متابعة دراستهم وأعمالهم الحرّة بعيدا على قوانين المجحفة للمكتبات العمومية.

هذا الحافز دفع نضال لتسمية فضائه بدوبامين، وهي تسمية تعود لمادة كيميائية تتفاعل في الدماغ تلعب دورا رئيسيا في الإحساس بالمتعة والسعادة. وفي ذلك رمزية لما يسعى إلى تحقيقه من خلال هذا الفضاء تلبية للرغبات الثقافية والفنية للشباب المحلي بصفاقس. ما يميّز فورمولوجيا فضاء دوبامين هو تلك الكيفية التي تمّت من خلالها تأثيثها، حيث زيّن محيطها بالخشب بشكل فريد وجميل. كما تمّ تخصيص قاعة للقراءة تفتح أبوابها يوميا ما عدا يوم الاحد أبتداءا من الساعة السابعة والنصف صباحا إلى حدود منتصف النهار لفائدة الراغبين في القراءة أو الكتابة أو مراجعة الدروس.

كما تشتمل دوبامين على العديد من الأنشطة مثل المسرح والرقص والسفر والموسيقى و Slam وأيضا جلسات نقاش شبابية أين يتمّ مناقشة مواضيع متنوعة ومختلفة بين مجموعة من الشباب. وللأطفال نصيب أيضا من هاته البرمجة، ففي شهر أفريل المنقضي، وفي إطار مشروع الأيام الثقافية للطفل كان الأطفال على موعد مع ورشات متنوعة مثل ورشة الرقص وورشات السيراميك و ورشة الرسم وغيرها(…).

طوال المحادثة، كان نضال يؤكّد على أنّ دوبامين ليست بمجرّد فضاء يقوم بجملة من الأنشطة الثقافية فقط، وإنما هي مساحة يعمل من خلالها نضال إلى إيقاظ المواهب الكامنة لدى الشباب، التشبيك بين المجموعات الشبابية الفنية، وإنتاج أعمال ثقافية تنير المحيط وتزيد إشعاعه وتنمية القدرات وتطويرها وزرع بذور التغيير في محيط لاطالما كان متعطشا لمثله هاته الفضاءات التي تستقي إعمالها من عمق المحيط ورحمه دون أن يكون مسقطا، وهنا تكمن فلسفة فضاء دوبامين، المفهوم الديناميكي للسعادة كيف ما أراد وحلم بتحقيقه نضال في سبيل بناء وطنه المستنزف.

تسعى الكتلة البشرية في هذا العالم نحو تحقيق السعادة، لكن قلّة هم من يتوقفون عند السرّ الذي تحمله هاته اللفظة، حيث البحث عن المعنى وتجليات نشوته. فالكلّ يرغب وراء تحقيق الإشباع، لكن قليلون هم من يسعون وراء فهم السعادة وطقوسها. سعادة الإنجاز وتحقيق الحلم، الحلم بالتغيير، التغيير وسط العدم لينبت الزهر من رحم الصخر،  تلك البصمة التي لا تمحى من التاريخ،  » إذ أنّ البعض ينشر السعادة أينما ذهب والبعض الآخر يخلّفها وراءه متى ذهب »، هكذا يقول جورج برنارد شو.