نور الدين الوريمي: تجربة حياة في عمر الزهور : »اسعد بمن أنت، اسعد الآخرين بما لديك، هكذا ستملك كل الحياة »

محدثنا اليوم، هو شخصية مثيرة للاهتمام وتستحق كل التقدير والاحترام نجح في عمر صغير في أن يصنع تجربة عمر، ونجح أن يتمتع بحكمة كبيرة وأن يختزل سنوات من التجارب والأفكار في هذا العمر الفتي. اليوم يرسل إلينا رسالة تفاؤل وأمل عبر كلماته البسيطة، وتعابيره التلقائية. هو نور الدين الوريمي لا يتجاوز عمره 17 سنة يدرس في السنة الثالثة شعبة العلوم في معهد بشير النبهاني ، يعيش مع والدته وإخوته في منطقة حمام الأنف .

في إطار حديثنا عن نشاطاته، انطلق نور الدين في الحديث عن نفسه قائلا: « سأحدثك عن نور الدين، قبل أن أدخل إلى تجربة المجتمع المدني وأخبرك من أنا الآن. كنت ولدا هادئا ومنطويا مجتهد في الدراسة وليس لي هدف إلا أن أدرس ثم أعود إلى البيت لأنعزل مع الكمبيوتر في عالم خاص بي. لم يكن لي أصدقاء، ولا كنت أستطيع أن أقف وأتحدث أمام الناس. من لا يجرب لن يمكنه أبدا أن يتقدم… »

ثم أردف قائلا: « هناك رسالة صغيرة أريد أن أوصلها للشباب الذين يخشون الخروج من قوقعاتهم ولا يستطيعون أن يعيشوا حياتهم كما يريدون وأن يكتشفوا ما يريدون أصلا. جربوا، حطموا القواعد، اخرجوا من القيود التي وضعتموها في عقولكم. أنتم تستطيعون فعل كل شيء، وتستطيعون الوصول إلى أي مكان، المهم أن تؤمنوا بأنفسكم، وتقولوا نعم نستطيع ومن وصلوا ليسوا خيرا منا! ».

  • البدايات: الانطلاق من المجتمع المدني غير حياتي:

وعن بداياته، أخبرنا نور الدين: « أتيحت لي الفرصة كي أنضم إلى منظمة JCI (jeune chambre internationale، وتحديت نفسي. قلت أني سأصل، ولم يكن الأمر سهلا في البداية خاصة مع طبيعتي الخجولة والمتحفظة. ونعم لقد فعلتها، نور الدين الخجول المتكتم المنطوي المتقوقع في فقاعة الصمت والسكون، يصبح الرئيس المؤسس لفرع المنظمة للصغار في حمام الأنف.

هذا المنصب جعلني أتعرف على أناس كثر، وأتحدث إلى أشخاص مختلفين كل يوم، لأن من مسؤولياتي أن أعرف بالمنظمة لدى الآخرين. في تلك السنة، حياتي تغيرت: مسؤوليات كثيرة، ناس جدد، محيط مختلف، حياة جديدة. لم أعد أجد الوقت كي أنفرد بالكمبيوتر وأبقى في قوقعتي المعتادة. تعلمت كثيرا وكثيرا، وما تعلمته جعلني أواجه مخاوفي وأواجه الناس وسط واقعهم اليومي. لقد أصبحت أتحدث إلى درجة أنه في المعهد الذي أدرس فيه أصبحت مميزا وأساتذتي يسمونني « نور الدين رئيس حزب »، كنت لا أصمت وأشارك كثيرا وأعطي رأيي في كل شيء وأوصل صوتي كي يكون مسموعا! ».

يستطرد نور الدين في التحدث عن تجربته في المجتمع المدني: « تجربتي الثانية كانت مع صوت الشباب العربي، شاركت في ورشات تدريبية على المناظرة، بالإضافة إلى نادي للسينما والتصوير (clic clap Club) لأنني كنت مغرما بالتصوير، أحس أن الصورة هي وسيلة رائعة كي أوصل عبرها رؤيتي ونظرتي للحياة كما أراها وأحس بها عبر غرامي الأول وهو علم النفس. علم النفس هو مصدر إلهامي الأول في كل الأنشطة والتظاهرات التي قمت بها في المنظمة، من أحسن هواياتي الآن أن أتعرف على الأشخاص وأن أسبر أغوار اختلافهم وأستمتع بذلك الاختلاف. في أعماق كل واحد فينا صندوق أسود صغير يضع فيه أسراره وخواطره الأكثر سرية وخصوصية، هذه الأسرار والخواطر التي تميزه عن الآخرين. كنت أشجع أصدقائي الذين أراهم مثلما كنت أنا سابقا، يحيون في القوقعة التي كنت أحيا فيها… أشجعهم على أن يخرجوا منها، وأن يؤمنوا بأنفسهم، وأن يحبوا أنفسهم كي يستطيعوا التأقلم مع محيطهم ويمنحوا الحب للآخرين، هذا الحب الذي يمكنه أن يغير كل شيء. لأنني أؤمن بشيء مهم، إن لم تحب نفسك فلن تستطيع أبدا أن تحب غيرك! »

  • مبادرة « خمم قبل ما تتكلم »:

« سأحدثك عن مبادرة « خمم قبل ما تتكلم » التي انتشرت بشكل كبير بين جميع طبقات المجتمع. فرحت أن ما فكرت فيه استطاع أن يلمس قلوب الناس وأن يفهموا ما المغزى من وراء هذه الحملة. أحدثك أني كنت أتعرض بشكل مستمر ودوري إلى التحرش اللفظي منذ كنت طفلا، سخر مني العديدون مما سبب لي وجعا عميقا جعلني أصنع قوقعتي وأنعزل داخلها وأتفادى الاختلاط بالناس خوفا أن أتألم مرة أخرى. حينما أرى الآن، أصدقائي وغيرهم يتعرضون لنفس ما تعرضت إليه ولا يجدون من يخبرهم بأنهم رائعون ومميزون، أجد نفسي مدفوعا كي أفعل شيئا ضد هذه العقلية المتفشية في مجتمعنا، فكانت فكرة الحملة، وكان نجاحها منقطع النظير مقارنة بتوقعاتنا.

  • مبادرة « محلاك »: 

المبادرة الثانية هي « محلاك ». أردت أن أوصل عبرها رسالة للأشخاص الذين تعرضوا للتحرش والعنف اللفظي. كلهم رائعون، كلهم مميزون، كما هم. ليس هناك شخص يشبه الآخر، وكلنا متفردون باختلافنا وليس بتشابهنا. ليس هناك أي أحد يعيش مثل الآخر ويفكر مثله حتى لو تشارك معه نفس الهوية والجنسية والأرض، يجب أن نقبل هذا الواقع ونتعايش معه بوعي وليس بجهل… »

وحول التحدث عن رؤيته لطريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض، قال نور الدين: « نحن للأسف لا نفكر قبل أن نتحدث. نتفوه بكثير من الكلام الجارح ونزن أننا نمزح ولا نعرف الآثار المؤلمة التي نتركها في نفوس الآخرين، آثار يمكنها أن تسبب عقدا نفسيا وألما من الصعب التخلص منه، وربما يصل إلى أحلك نتيجة يمكنك تصورها، وهي الاكتئاب أو الانتحار. هذه الحملة موجهة لكل من يجرح الآخرين بكلامه، يجب أن يعرفوا أن وجع الكلمة الجارحة أشد من وجع جرح السكين، وأنه دائم ويلتصق بالعقل ويترك أثره الأسود على القلب.

العيوب هي ما يخلق تفردنا، وهي ما تصنع من نحن عليه حقا. من أكثر الكلمات التي أستعملها في حياتي هي « ما أحلاك، ما احلى الدنيا »، أنا أؤمن أنها طاقة أوزعها على الآخرين وأنا أدرك أهمية كل كلمة أقولها للآخرين. وهو ما أطمح أن يدركه الناس. عبر عملي في المنظمة ونشاطاتي أريد أن أرسخ معتقدا هاما: « كن كما أنت، اقبل اختلافك، اسعد به، اقبل اختلاف الآخرين، ولا تكن غير نفسك وإلا ستتعذب بالقناع الذي سترتديه طوال حياتك، كن صادقا ولا تهرب من نفسك بسبب نظرة الآخرين لك، كن أنت التغيير الذي تريد رؤيته في العالم كما يقول غاندي واجعل حياتك لنشر الطاقة الإيجابية، ستكون سعيدا من حيث لا تدري.. »

  • الحلم: العيش من أجل إسعاد الآخرين:

من بين أهدافي حاليا، أن أساعد الآخرين بكل ما أقدر عليه، خاصة أولئك الضائعين الذين لم يجدوا ذواتهم بعد، أولئك الذين يعيشون في اكتئاب وعزلة. أنا أعرف ماهو معنى الإكتئاب، لأني قضيت طفولتي وأنا أشاهد أمي تتعذب بهذا المرض ولا أملك لها شيئا، ولم أكن أفهم لماذا أشاهدها دائما طريحة الفراش، أو لماذا هي دائمة البكاء، أو كثيرة الصمت. كبرت وذلك الحزن يسكنني لذلك أريد أن أكون مصدرا لفرحة وسعادة أي شخص يعرفني. ربما من أجل هذا أحلم أن طبيبا نفسيا، لأنني أدرك أننا جميعا نستحق أن تمد إلينا يد العون، وكلنا نمر بفترات صعبة من حياتنا نحس فيها بوحدة قاتلة ولا أحد ينتظرنا كي يرافقنا في مسارنا واختياراتنا المصيرية. من أجل هذا أريد أن يكون الناس إيجابيين، ولا يكتفوا بمجرد العيش بل يجب أن يحدثوا تأثيرا في حياة الآخرين.

مشروعي الحالي الذي أعمل عليه، هو الانضمام إلى نادي BILL Banlieue Sud، ربما أستطيع تحقيق جزء من التغيير الذي أطمح إليه وأواصل المهمة التي خلقت من أجلها.

  • العلاقة مع الفن والثقافة: الوسيلة الأروع لتغيير العقليات وترك الآثار المطلوبة في قلب وعقل المتلقي:

« أنا أعشق أي وسيلة يمكن أن نوصل بها رسالة إنسانية ونغير عن طريقها الوعي وطريقة التفكير والتصرف، أو نؤثر بها على الواقع اليومي للناس. والسينما من الفنون التي أعشقها، إنها وسيلة رائعة وحمالة أفكار مذهلة، أعطيك مثال فيلم « على حلة عيني »، جسد الشخصية المتمردة واللحاق بحلم عيش الحياة كما يريد البطل لا كما يريد المجتمع. عبر الموسيقى أيضا يمكنك أن توصلي رسائل غير عادية، والكتب، وكل الفنون…

إن التفاصيل التي تجدينها بين صفحات كتاب، لا يمكنك أن تجديها في أي مكان آخر، من أجل ذلك أنصح كل من سيقرأ هذا الكلام: « اقرأ، الثقافة والفن هي وسيلة للتعبير عن النفس والتعبير عن الآخر، وهي طريقة كي توصل عبرها صوتك وأفكارك. أؤمن أن التغيير مهم للغاية، والتغيير يبدأ دائما عبر التعبير عن الذات، اكتب، ارقص، اعزف، ارسم، عن، طر وحلق في سماء كل الفنون، عش حياتك واكتشف ذاتك يوميا، كن نسخة حقيقية من نفسك، كن متفردا، ابحث عن الإلهام في الثقافة والفن، اصنع نفسك والأهم امنح السعادة للآخرين، ستجد أنك قد امتلكت الحياة من حيث لا تدري… »

في نهاية هذا الحوار الشيق، نشكر هذا الشاب الطموح من أجل كل الطاقة الإيجابية التي منحها لنا، ومنحها للقراء. رسالة شكر له، ولكل الشباب اليافع الذين نبحث عنهم ونظهرهم إلى النور، ونخبرهم « لات تتغيروا، كونوا أنتم النور في أركان الظلام، كونوا أنتم السعادة في أقفاص الحزن، كونوا أنتم الحياة بين أفخاخ الموت!

لنا الفن والثقافة كي لا يميتنا الواقع، لنا الفن والثفافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة. نحن لا نبيع السعادة، نحن من يصنعها.

فريق راديوشن،

حاورته غادة بن صالح