« هولوكوست » الأسعار: المواطن التونسي يستغيث فهل من مجيب؟

بعد أن قضى المواطن التونسي ليلة صاخبة احتفالا وتهليلا بقدوم العام الجديد متأمّلا انفراج كروبه وهمومه وانتعاش ظروفه المعيشية وتحسّن مقدرته الشرائية، استيقظ صباحا على وقع خبر ارتفاع الأسعار. طبعا، فالحكومة الوطنية كانت مثل ذلك المارد السحري سرعان ما استجابت لدعوات المواطن البسيط الحالم بالجنة الموعودة. إذ لم تكن من العاكسين، وكانت أوّل المسدّدين للطعنات الموجعة لجيب المواطن التونسي وقوته اليومي مشعلة بذلك فتيل الموجات الاحتجاجية في أغلب الجهات التونسية على غرار قفصة وتالة وبنزرت وتونس العاصمة كمثيلتها في كل من السودان وإيران.

بداية يجب أن يعي الجميع وخاصة أولئك المتحسّرين على زمن النظام الدكتاتوري القديم عملا بمقولة مصطفى محمود « هناك من يناضلون من أجل الحرية وهناك من يناضل من اجل تحسين شروط العبودية »، بأن سياسة الترفيع في الأسعار وتضاعف المديونية وتراجع ناتجنا الداخلي الخام إنّما هي تبعات للنظام البورقيبي ولنظام بن علي مطلع الثمانينات عندما أذنوا بشكل صريح تسليم سيادتنا الوطنية للأيادي الخارجية والانخراط القسري للدولة التونسية في سياسة التداين واتفاقيات التبادل الحر ومنظومة اقتصاد السوق وإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي التي نسفت تقريبا مفهوم الدولة مقلصة دورها في الوظائف الاجتماعية الساهرة على تسيير شؤون البلاد (بمعنى الدولة الراعية). مقابل انشاء دولة ليبيرالية مرتهنة للقروض المشروطة للمؤسسات المالية الدولية تعمل على خصخصة المنظومة الاقتصادية ومؤسّساتها خدمة لمصالحها معلنة انخراطنا في منظومة التجارة الحرّة مع الاتحاد الأوروبي في إطار العولمة.

لكن هذا التوجه الاقتصادي السياسي بدلا من أن يساهم في تحقيق قفزة نوعية (في الحقيقة لا توجد قفزة بهذا الشكل وبهذا التوجه الاقتصادي وانما كل ذلك حدث في مخيلة الفاعلين السياسيين) كما حدث مع فينيزويلا مثلا التي وفي ظرف 27 سنة تطوّرت منظومتها الاقتصادية من نظام قلاحي زراعي الى نظام صناعي، قد ساهم في تعميق مزيد من التبعية والهشاشة الاقتصادية نظرا لتكريس السلطة التونسية كل مجهوداتها في جلب الاستثمارات الخارجية والاقتراض من الخارج لمعالجة أزمة المديونية وحلّ المشاكل الاجتماعية مثل الفقر والبطالة عوض وضع استراتيجيات تنموية محلية تقوم على مقاربة تشاركية تخدم مصالح المواطنين وتلبي حاجياتهم.

ومنذ سنة 2011، أبرزت جلّ الحكومات المتعاقبة على السلطة فشلها عن جدارة في تجاوز الأخطاء والهفوات الخطيرة التي ارتكبها الفاعلون السياسيون السابقون. وأثبتت عجزها في بلورة استراتيجيات بديلة كفيلة بإخراج البلاد من حالة شبه الشلل القريب من الإفلاس الاقتصادي والمالي الذي لا تريد الحكومة الإعلان عنه، بالإضافة إلى تراجع قيمة العملة التونسية بالمقارنة مع العملات الأجنبية (الدولار واليورو).

فمنذ أن كان حجم الديون الخارجية سنة 2010لا يتجاوز نسبة 37 بالمائة من الدخل القومي الخام، بلغت هذه النسبة في موفى سنة 2016 إلى 58 بالمائة والحكومة مطالبة سنة 2017 ارجاع قرابة 8000 مليون دينار تونسي، وهو ما يجعلنا نقف على درجة من حساسية الوضع المالي الحالي خاصة مع تراجع قيمة الصادرات أمام الارتفاع الضخم لقيمة الواردات هذا بالإضافة لتراجع السياحة وتداعيات ازمة انتاج وتصدير الفسفاط.

وأمام صعوبة هذه الأوضاع، لم تجد الحكومة حلّا أمثل من اللجوء إلى شعبها الكريم لتزيد الخناق على رقبته مقابل سن قانون المصالحة الإدارية والعفو على جل جرائم الفساد المالي للموظفين الإداريين المرتكبة منذ عهد الاستقلال الى حد هذه الساعة. فمنذ مطلع سنة 2018، زفّ لنا ذلك الخبر السعيد بتفعيل قانون المالية الجديد القائم على الزيادات في الأداء على القيمة المضافة بجميع أصنافها والترفيع في معاليم الاستهلاك والزيادة في الضرائب الموظفة على الأجور والدخل إلى جانب إقرار مساهمة اجتماعية عامة توظف على الدخل مع مزيد من الرفع في سياسة الدعم وهو ما سيساهم في تعميق الفجوة بين الطبقات في تركيبة المجتمع التونسي وخاصة منها الطبقة الوسطى الأخذة في التآكل والاندثار.

وأمام تزايد الاحتقان والمواجهات والتحركات الاحتجاجية للمواطنين في صراعهم مع من في السلطة الحاكمة لا يسع إلا أن نختم هذا المقال بالمقولة التالية لمحمود درويش « وإننا نحب البلاد حتى في خرابها الأخير… » أو كما قال شاعرنا الراحل الصغير ولاد حمد:

« وإننا نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد

صباحا مساءا

وقبل الصباح وبعد المساء

ويوم الأحد »