ياسمينة قعيدة:  » يسكنني محيط من الفنون وعوالم من الصور ترقص على إيقاع الموسيقى التي أعزفها!

« طويلا نعيش وعاليا نطير، كل بسماتك وكل دموعك، كل ما تمسّ وكل ما ترى هو كل ما ستكونه حياتك » بهذه المعزوفة الموسيقية لفرقة الروك بينك فلويد نستهلّ مقالتنا لليوم والذي سنسافر من خلاله بين أروقة الأعماق الروحية لشابة التونسية اختارت أن تمارس الفن الذي تريد، فنّ Beatbox         و Dijing دون أن تأبه لجلّ الانتقادات والمصاعب التي تعترضها بأن تشكل حاجزا أمام ما ترغب في ممارسته، أمام إثبات الوجود، أمام تلوين المحيط بما تكتنزه من مخزون ألوان الفن والحياة.

اليوم سنسافر معا نحو محيط ياسمينة غايدة أو كما يلقبونها « فوشيكا »، لنكتشف معا ذلك الجوهر الذي ينبض بشعاع مختلف، شعاع الحياة.

« إنني أحاول جاهدا أن أكون نفسي ولا يهمني كثيرا هل يقبل الناس أم يرفضون »، يقول فان غوخ. شغف ياسمينة بفنون الرقص والموسيقى امتلكها منذ الصغر، حيث كانت تنظم في معهدها الثانوي حفلات موسيقية وعروض ومسابقات رقص وهيب هوب. إذ كان الهدف منها هو أن يعبّر كل شخص عن موهبته ورؤيته المختلفة للأشياء، مساهمة بذلك في منح الفرصة لمن لا يمتلكون فضاء للتعبير أن أنفسهم وبناء ذاته على نحو مخالف للعادة.

كانت هذه العروض بمثابة شريان يضخّ بأعماق ياسمينة شحنات مكثفة من العزيمة والإصرار على ممارسة الرقص والموسيقى في زمن يشّئ فيه الفن من قبل المجتمع ويصنّف في الخانة الثانوية نظرا لتحررّ الذات في عالمه من كلّ تلك القيود المكبّلة لها، فتصبح بالتالي متعارضة مع تعاليم المجتمع وعُرفه السائد. وهو ما تعمل على كسره ياسمينة.

درست فوشيكا -وهي التسمية المحبّذة من قبل ياسمينة، ولعلّ في ذلك رمزية للغليان الذي لا يهدأ والقابل للإنفجار في أيّة لحظة، الإنفجار الفني في وجه عبثية هذا العالم- الفن السينمائي واختصت في التصوير، وهو ما مكّنها من اكتساح عالم التصوير السينمائي صحبة رفيقة طفولتها، آلتها التصويرية و تشتغل  ضمن العديد من الأفلام والمسلسلات التونسية وحتى الاجنبية.

لم تكتف فوشيكا بهذا الحد، حيث دفعها شغفها بالفنون للمشاركة في دورة تدريبية مع جمعية الشارع الفن حول أدبيات تنسيق الأغاني Dijing منذ ثلاث سنوات مضت. فبقدر ما تهوى الإستماع للمعزوفات، كانت ياسمينة تستمتع بكيفية تركيب المقطوعات الموسيقية والتأليف فيما بينها، وكأنها تترجم ما يختلج بصدرها من معزوفات وتلاحين ترقص على إيقاع أفكارها التي لا تنتهي.

منذ ذلك الحين، بدأت فوشيكا بالعمل في العديد من العلب الليلية والمهرجانات، فبواسطة لوحتها الموسيقية تعمل ياسمينة على نزع ثوب الكآبة عن من يستمعون لها، لتحقنهم بطاقات ذات طعم مختلف تبعث النشوة في نفوس الراقصين على أنغامها.

على الرغم ممّا تتعرض له ياسمينة من صعوبات وعراقيل في هذه المهنة، إلا أنه ينتابها كما عبرت شعور بالفخر، فخر بكونها تكافح من أجل فعل ما تريد دون أن تهتم بكل ما يقال حولها بكونها إمرأة ولا يجوز لها العمل ليلا في المهرجانات والحفلات. حيث أكدت فوشيكا بأنها ستظلّ تحارب إلى آخر رمق لها لتغرس اسمها ضمن هذا المجال الفني الذي يعدّه المجتمع حكرا على الرجل فقط نظرا لما يتطلبه من مجهود بدني و خصوصية وقته.

ذلك أنّ الرغبة والطموح والحلم لا يعترفون بحدود ومواقيت، وإنما بالعمل والمثابرة والعزيمة والاصرار على نيل ما تريد، وهو ما تعمل على تفعيله فوشيكا من خلال سعيها لدحض ذلك التصنيف الجندري لبعض أنواع الفنون لما يتسم به الفن بالانسانية الخالصة، وانتهاج أسلوب فني لطالما حلمت منذ الصغر بأن تمتهنه.

صحيح أن الحياة التي نعيش هي مجرد سنوات قصيرة، لكن من المهم وأن نعيشها ونحن متسلحين بأنهار من الطاقة التي لا تنتهي وبشمس لا تغرب وبنور قوس قزح لا يتلاشى وبشغف لا متناهي في الإقبال على العيش مهما كانت التحديات والصعاب، لأنك في الأخير تعمل على إثبات ذاتك المتفردة والتي ما من أحد يعرف سرها غيرك: » فوحده الغبي الذي لا يعرف سرّ قوته » هكذا يقول نجيب محفوظ.