شخصيتنا التي اخترنا محاورتها اليوم، هي أميمة العكروت، تلميذة في شعبة الاقتصاد والتصرف لا يتجاوز عمرها الثامنة عشر. تعيش مع جدتها في منطقة « حي الخضراء » من تونس العاصمة، وهي تتمتع بحيوية ونشاط فائقين، وهي من الفتيات القليلات اللواتي يمارسن هذا الفن في تونس، إن لم نقل من الفتيات النادرات اللواتي يرون في BeatBox فنا حقيقيا يستحق الممارسة، فن جميل يجب نشره والدفاع عنه.

في حوارنا مع أميمة، أبدت لنا هذه الأخيرة روحا طريفة وهي تتحدث عن تجربتها مع BeatBox: « بدأت مع اليوتوب، كنت أشاهد الفنانين حول العالم وأنا فاغرة لفمي. لم أكن أعرف ماهذا الفن وكيف يمارس. وبدأت تجاربي وحيدة، واكتشفت في نفسي هذه الموهبة، التي طورتها مع الوقت والتدرب أكثر. كانت تجربتي الأولى في إطار Battle بمعنى معركة بالمعنى المجازي بين أولاد يمارسون هذا الفن. ذهبت كمتفرجة عادي، فإذا بصديق لي يجرني إلى المسرح ويقول لجميع الحاضرين: هذه مفاجأة التظاهرة. لا أصف لك ما أحسست به حينها ولكني كنت سعيدة. في ذلك الوقت لم أكن متمرسة ولم أكن أتقن هذا الفن تماما، لكن الجميع شجعني حينها، وصفق لي. كان من أقوى الأيام تأثيرا في حياتي.. »

بعدها، شاركت أميمة في عدة تظاهرات، كان منظموها ينادوها كي تشارك بوصفها الفتاة الوحيدة التي تمارس BeatBox في تونس، حينها بدأ اسمها ينتشر أكثر. « أنت تعرفين أنه ما أن يبدو شيء مختلف قليل في المجتمع حتى يعارضه الجميع. لم يكن مألوفا بالنسبة للناس أن يلتقوا بفنانة BeatBox، هم أساسا لا يعرفون ما معنى BeatBox ولا كيف بدأ. الجميع عارضني، أولهم عائلتي ثم جميع من يعرفني إلا قلة قليلة من أصدقائي الذين يساندونني فقط لأنني صديقتهم وليس لإيمانهم بهذا الفن… »

في سياق التحدث عن الاختلاف ومعارضة الجديد، عقبت أميمة بقولها: « كلهم يقولون لي، ليس هذا الفن بفن، ولن يوصلك إلى أي مكان. كما أنك فتاة لا يليق بك أن تصدري هذه الأصوات الرجالية. » تضحك أميمة وهي تتحدث عن هذه النقطة تحديدا، ثم تكمل حديثها: « لا أدري لم هذه التفرقة الغريبة بين الفنون التي يمارسها الرجال، والفنون التي تمارسها النساء. يدعي مجتمعنا الحداثة والتقدم، ولكننا مازلنا نستمر في منح ملصقات للفنون، هذا يصلح للرجل، وهذا يصلح للمرأة. على سبيل المثال، لا يجب أن يرقص الرجل رقصا شرقيا لأنه فن مخصص للمرأة، كما لا ينبغي للمرأة أن تكون فنانة BeatBox لأنه فن مخصص للرجال… »

حول الحديث عن هذا الفن عامة، قالت أميمة: « العالم تقدم كثيرا في هذا المجال، هم يشجعون الاختلاف ويؤطرون كل جديد على عكسنا. أصلا ينبغي أن أقول أن BeatBox ليس فنا جديدا، بل هو فن يرجع إلى ما قبل التاريخ. فالموسيقى البدائية تشمل التأثيرات التي تستخدم الجسم، أو إذا أردت لغة الجسد عبر التصفيق أو عبر الدوس، أو الخبط بقوة على الجسد وإحداث أصوات متناغمة. ثم تطور وأصبح إنتاج الأصوات يعتمد على الفم فقط عن طريق التنفس بصوت عال للداخل أو الخارج مع الآلات الإيقاعية. وقد ظهر في الهند والصين منذ آلاف السنين، وتكور في أمريكا ليصبح فنا مصاحبا للزنوج، ثم أصبح مرتبطا بالهيب هوب الأمريكي. وأخبرك كل هذا كي يعرف القراء أنه فن حقيقي من أقدم الفنون الموجودة، وأنه ليس من المسموح به في هذا العصر أن نتجاهله فقط لأننا لم نفهمه أو لأنه غير مألوف في مجتمعنا… »

أميمة هي فتاة تعي اختلافها جيدا، وهي متشبثة به: « حتى لو كانت الطريق صعبة أمامي، فإني سأصل. من واجبي أن أثبت أن BeatBox i هو فن حقيقي، ويجب تشجيعه. وخاصة لا يجب قمع النساء اللواتي يردن أن يصبحن فنانات في هذا المجال بدعوى أنه فن ينقص من أنوثتهن. لا علاقة لهذا الفن بالأنوثة، آن الأوان كي نصلح كل هذه المفاهيم الخاطئة وأن نتحرر من كل هذه الأحكام المسبقة التي تكبل عقولنا… »

حول الحديث عن أحلامها، أجابت أميمة: « أولا أتمنى من الله أن يطيل عمر جدتي كي تراني ناجحة وتفخر به. لقد تعبت جدا معي وهي تشقى في العنابة بي وتشجيعي، وثانيا أتمنى أن أصل إلى ما أريد، وهو أن أني أثبت نفسي في هذا المجال، وسط هذا المجتمع الذي يجهل قيمة هذا الفن وقوته وتأثيره من جهة، ثم بين أولئك من يعتقدون أنه لأنني فتاة ينبغي أن أبقى في الصندوق الذي حددوه لي في عقولهم. لقد خلقت كي أثور، وكي أثبت اختلافي، ولن أتخلى عن هذا الحلم… »

لنا الفن كي لا يميتنا الواقع، لنا الفن كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة…

فريق راديوشن

حاورتها غادة بن صالح

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا