بين الفينة والفينة، نود لو نعيد تقليب واقعنا على ضوء ما كتبه الفلاسفة وعلماء الاجتماع والنفس والمفكرون في العصور التي مضت. مؤملين أن نجد شرارة ما تضيء أمامنا الطريق، وتجعل لنا قبسا يمكننا من تحسس مسارنا كي نخلق المجتمع الذي نريد.

ولا يمكننا أبدا أن نخلق ما نريد، دون أن نفهم قبل ذلك ماهو موجود أصلا. واقعنا الحالي، المقيد بتخوم الرداءة والإحباط كما يراه الكثيرون، حكومات متخاذلة، وسياسات فاشلة. شباب غائبون، أو فاعلون في الهواء، الجميع يحفر في الماء، وكلنا « نغرق، نغرق، نغرق… » حسب تعبير العندليب. لكن تظل الثقافة دائما ملجأ، لأننا حين نعرف، سنستطيع التأثير. ذلك هدفنا، وتلك مهمتنا.

في إطار التأمل في حال المجتمعات العربية عامة، نجد أنها وعلى الرغم من أن أغلبها قد عاش ثورة قلبت نظام الحكم الفاسد، محاولة استبداله بنظام صالح يرعى المواطنين ويضمن حقوقهم ويسير بالدولة إلى مصاف الدول المتقدمة، إلا أننا نجد الشعوب سنة بعد سنة تغرق أكثر في إحباطها، وأن الحكومات تتخذ نفس المنحى الذي اتخذته الحكومات التي قبلها. في هذا الإطار توجب علينا أن نقدم إليكم استراتيجيات التحكم والتوجيه العشر التي تعتمدها دوائر النفوذ وصناعة القرار والحكومات في العالم للتلاعب بجموع الناس وتوجيه سلوكهم والسيطرة على أفعالهم وتفكيرهم في مختلف بلدان العالم والتي كتبها عالم السياسة واللسانيات الأمريكي ناعوم تشومسكي :

The strategy of distraction 1 / إستراتجية الإلهاء أو التسلية

” حافظوا على اهتمام الرأي العام بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية ، اجعلوه مفتونا بمسائل لا لأهمية حقيقية لها “. هذه المقتطفات من كتيب أو دليل ” الأسلحة الصامتة لخوض حرب باردة ” هي التي جعلت شومسكي يرى بأن وظيفة وسائل الإعلام هي إلهاء الجماهير عن الوصول إلى معلومات حول القضايا الهامة و التغيرات التي تقررها النخب السياسية و الاقتصادية عن طريق وسائل الترفيه المختلفة و التي تروج لمصالح الفئات المسيطرة في المجتمع كما تقول النظرية النقدية قي دراسة الاتصال. و منه فإن ما تقدمه وسائل الإعلام حسب هذا المقتطف هو عبارة عن ” إلهاء الناس عن البحث عن الحقيقة” فمن خلال الثقافة الجماهيرية التي تقوم وسائل الترفيه بنشرها ينجح أصحاب النفوذ السياسي و الاقتصادي في تحقيق أهدافهم في حين يغرق العامة في ثقافة « القطيع » واستهلاك « الرائج » و »السائد » و »السهل » .

2 / استراتجية افتعال المشاكل و تقديم الحلول: Create problems , then offer solution

هذه الإستراتجية التي تسمى ” المشكلة ، التفاعل ، الحل ” نريد أن نربطها بفكرة أن محتوى وسائل الإعلام هو كبناء لغوي من الرموز التي يتم اختيارها بعناية من بين الإطار المرجعي لفكرة الصفوة المهيمنة و أهدافها ، حيث يتم التفكير في افتعال مشكلة لكي تصير حديث الناس في المجتمع و نشرها عن طريق مضامين وسائل الإعلام حتى يندفع الجمهور ليطلب حلا لها مثل العنف و الأزمات الاقتصادية و هنا تتحرك آلة النفوذ من أجل تقديم الحلول المبرمجة مسبقا و هكذا يتم تثبيت شعار ” الهيمنة”. The gradual strategy ـ

3/ إستراتجية التدرج

هنا نأخذ فكرة ” النيوليبرالية “ التي صاحبتها معدلات البطالة الهائلة و الهشاشة في البنية التحتية للمجتمع ، و التي لو لم يتم تمريرها تدريجيا و على مراحل في سنوات متعددة للجمهور لأحدثت ثورة عند الناس . فالجمهور عنيد يقاوم جهود المنتجين في وسائل الإعلام الذين يفرضون خبراتهم عليه من خلال المحتوى و لهذا إستراتجية التدرج إستراتجية ناجعة في تقبل فكرة ما من عدمه.

The strategy of distraction 4 استراتجية التأجيل:

هذه الإستراتجية تتلاعب بالوقت بشكل جيد حيث تفرض على الجمهور بأن يعتقد بكل سذاجة كما قال تشومسكي أن” كل شيء سيكون أفضل غدا ” و هكذا تقوم وسائل الإعلام بتمرير قرارات مؤجل تنفيذها حتى يحين الوقت و يعتاد الجمهور عليها.

5/ مخاطبة الجمهور على أنهم أطفال: Go to the public as a little child

في هذه الإستراتجية يرى تشومسكي أنه كلما كان الهدف تضليل المشاهد إلا و تم اعتماد لغة صبيانية عن طريق الإعلانات و الملصقات التي تستعمل في الأصل لغة صبيانية هي في الأصل لغة لأطفال مازالوا يعيشون مرحلة النمو العقلي و الفكري و هكذا يكون رد فعل البالغين كرد أطفال صغار لأن وسائل الإعلام غرست فيهم ذلك.

6/ مخاطبة العاطفة بدل العقل : Use the emotional side more then the reflection

إن الأمر الذي لا شك فيه هو أن العاطفة تتغلب على العقل في كثير من الأحيان عند العديد من البشر وهذا ما تستفيد من وسائل الإعلام من خلال أسلوبها الكلاسيكي في استخدام سلاح العاطفة من خلال التحدث عن الانتماء أو الدين أو العادات التي يمتلك الناس التزاما عميقا اتجاهها ، فيدخل الأفراد في حالة من اللاوعي و عدم التفكير إذا ما تم التعدي على أي من هذه المعتقدات التي تثير عندهم المخاوف والانفعالات .

7/ إغراق الجمهور في الجهل و الغباء: Keep the public in ignorance and mediocrity

هذه الإستراتجية هي شكل من أشكال تعزيز علاقات اللامساواة و القهر التي يعتمد عليها النظام الاقتصادي الرأسمالي حيث تهدف إلى إبقاء الجمهور غافلا عن التقنيات و الاستراتجيات التي تستعمل من أجل السيطرة عليه و تبدأ هذه الإستراتجية من نوعية التعليم التي تقدمها المدارس الحكومية و التي يدرس فيها أبناء العامة .

8/ تشجيع الجمهور على استحسان الرداءة : To encourage the public to complacent with mediocrity

هذه النقطة مهمة للغاية إذ يجب التأكيد أن وسائل الإعلام هي المسؤولة بشكل كبير على تدهور مستوى الذوق الثقافي العام، هذا التدهور الذي يشكل العامل المحفز على ارتكاب الجريمة و العنف و الشذوذ الجنسي و تدهور الملكات الفردية و الغباء و الابتذال و الجهل في نفس الوقت هي تشجع الجمهور على التعامل مع كل هذا و القبول به عبر رسائل كامنة متكررة تتغلغل في عقل الفرد وتجعله في لاوعيه يرى أنه هكذا يجب أن تكون الأشباء.

9/ تحويل مشاعر التمرد إلى الإحساس بالذنب : Self_blame strengthen

غرس مشاعر الذنب و التعاسة في الناس حيث تقوم وسائل الإعلام بتمرير مجموعة من الرموز التي تدفع الفرد إلى الاعتقاد بأنه المسؤول عن عدم حصوله على فرص في النظام الاقتصادي العام بسبب عدم توفره على المؤهلات التي تسمح له بذلك ، فينغلق على نفسه بدلا من أن يثور على النظام الاقتصادي.

10/ معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لأنفسهم : Getting to know the individual better than know themselves

مع تطور الوسائل التكنولوجية و تطور مجال العلوم أصبح أبناء الصفوة و النخب الحاكمة الذين تحصلوا على معرفة عالية المستوى في علم الأعصاب و النفس و في مختلف العلوم الإنسانية يتحكمون بالأفراد في المجتمع بشكل أكبر ، حيث يتحكمون بمعلومات تجعلهم يتعرفون على الأشخاص أكثر من معرفتهم لذواتهم.

في النهاية، أردنا عبر هذه القواعد التي صاغها ناعوم تشومسكي، أن نبين أن أغلب الشعوب تعيش في ظل حكومات تجيد تماما التحكم بمواطنيها، ولكن إن أردنا أن نجعل هذا التحكم إيجابيا، علينا أن نتمتع بالوعي، وهذا الوعي لن يكون إلا عبر الإطلاع والنقاش، عبر الامتلاء بمصادر الفكر الانساني، عبر التخلص من براثن الرداءة، عبر استحقاق صفة إنسان فعلا.

رفع في معرض تونس للكتاب السنة الماضية شعار « نقرأ لنعيش مرتين »، ونحن في راديوشن نقول « نقرأ لنعيش ألف مرة، ولنغير مجتمعاتنا ألف مرة، ولنقول كما نقول في كل مرة: لنا الثقافة كي نغير الواقع، لنا الثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة… »

فريق راديوشن

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا