عندما يتحدث ميشال فوكو عن الجنسانية: “لقد أصبح الجنس أكثر أهمية من أرواحنا وأكثر أهمية تقريبا من حياتنا”

منذ ولادتنا تتمّ تربيتنا وتنشئتنا على منظومة أخلاقية محدّدة ومضبوطة تعمل على ضبط سلوك الفرد في محيطه الاجتماعي وتعسكره على نسق أخلاقوي معيّن مليء بالتابوهات. وكلّ من لم يحترم هذه القوانين الاجتماعية يعرّض نفسه للعقاب و”الجلد” من قبل الوعي الجمعي للمجتمع.

ويعدّ الجنس من أكبر التابوهات “المحرّمة” اجتماعيا ودينيا في مجتمعنا العربي والمحدّد الأساسي للتقسيم بين الجنسين، فالأفراد يولدون إناثا وذكورا ولكنهم يتعلّمون كيف يكونون نساء ورجالا تصديقا لمقولة سيمون دو بوفوار “نحن لا نولد نساء … بل نصبح كذلك”. وهو ما تعمّق في شرحه وتحليله الفيلسوف والباحث الفرنسي ميشال فوكو في مؤلّفه تاريخ الجنسانية Histoire de la sexualité  الصادر سنة 1976 في ثلاث أجزاء وهي إرادة المعرفة، استعمال المتعة، رعاية الذات، مبيّنا في هذا المؤلف البنية الهيكلية للخطاب الغربي المسيحي حول الجنس، هذا الخطاب المرتكز بحسب تعبيره على رأسمال ثقافي وموروث عقائدي أسماه فوكو ب”خطاب القوة” وما يحمله من قدرة هائلة على ابراز الذكر في شكله القوي والمسيطر مقابل “تقزيم” و”تشييئ” الأنثى واختزالها في المجال الخاص بالوظائف الجنسية ووضعها بمنزلة أقلّ من منزلة الرجل. من هنا نطرح السؤال التالي: هل يفترض بالجنسانية أن تسمى بالرغبة الجنسية؟ أم هل تحيل بدلا من ذلك إلى الكينونة المجنّسة للمرء؟

1-جنس أم جنسانية: هل هناك فرق؟

بديهيا وبحسب قانون الطبيعة، عندما نلفظ مصطلح الجنسانية يتبادر إلى مخيّلتنا تلك العملية الجنسية التي عادة ما تجسّد لحظة التقاء وانصهار روح حبيبين في جسد واحد (لم نتعرض هنا إلى  مصطلح البغاء  أي ممارسة الجنس بمقابل مادي لأن هذه الممارسة مختلفة عن ممارسة (الحب) فهي لا تعدو مجرّد تجسيد لغريزة تنتفي لحظة بلوغ النشوة إلى قمّتها لتزول بعد ثواني).

لكن ربّما من الحكمة أن نفكّر بشكل أعمق في المضامين الدلالية والابيستيمية لمفهوم الجنسانية، فلو نعود إلى تعريف منظمة الصحة العالمية سنجدها تضع العديد من الاختلافات والفروقات بين مفهوم الجنس والجنسانية. فالجنس يعدّ رمزا ذو دلالات مختلفة يحيل لا فقط على النشاط الجنسي (ممارسة الجنس) بل يحيلنا أيضا على مجموع الخصائص البيولوجية التي تقسّم البشر إلى إناث وذكور. أمّا الجنسانية فهي تضمّ الخصائص البيولوجية والاجتماعية المميزة بين الرجل والمرأة والتي تلعب دورا هاما في تكوين الهوية والنوعية الجنسية لكلّ منهما. أي أنّ الجنسانية هي نتيجة تداخل بين النفسي والبيولوجي والاقتصادي والتاريخي والثقافي والأخلاقي والديني، بالإضافة لكونها تمثّل ظاهرة اجتماعية شمولية لها بناءها الاجتماعي والتاريخي.

فهي تعتبر بالمصطلح الجديد نسبيا، إذ أصبح مفهوم الجنسانية عملة شائعة في أوروبا وأمريكيا في أواخر القرن 19 عندما كانت الدراسات الأنثروبولوجية والعلمية والسوسيولوجية للجنس تزدهر كما لم يحدث من قبل. حيث أثار هذا المصطلح على مدى عقود قدرا هائلا من النقاش والوجهات النظرية النقدية المتضاربة، ففي حين يجادل البعض بأنّ الجنسانية تعبّر عن حاجة إنسانية أساسية ينصح أخرون بأن نتعمّق في دراسة كيفية نشأة هذه الفرضية أوّلا. حيث أقيمت حجج تجادل بأنّ الجنسانية بحاجة لأن تفهم في علاقتها بظواهر متغيّرة على نطاق واسع من الدوافع الفيزيولوجية إلى بنى اللغة.

وإذا ما تعمّقنا أكثر في قاموس أوكسفورد الإنجليزي، سنجد أنّ أوّل استعمال مدوّن للجنسانية ظهر عام 1836 في طبعة للأعمال الكاملة للشاعر الإنجليزي ويليام كاوبير في القرن 18 في قصيدته الشهيرة بعنوان “حياوات النباتات”، أين كان طرحه لمفهوم الجنسانية طرحا متّصلا بعلم النباتات وكيفية اكتسابها وامتلاكها للصفة الجنسية. وهو مثال يظهر ببساطة بأنّ الجنسانية لم تكن تنتمي دوما للمجال البشري حصرا. وفي أقدم استعمالاتها العلمية، كانت الجنسانية sexualité تعرّف بمعاني الايروتيكية الإنسانية. عندما تمّ تحديدها ببادئات مثل bi  و hétéro وhomo أصبحت الكلمة تصف أنماط الشخص الذي يجسّد رغبات بعينها في تسعينات القرن 19.

 حيث سجّل ملحق OED أنّ كلّا من الكلمتين (hétéro الجنسية المثلية) و sexualité (الجنسانية الغيرية) قد دخلتا اللغة الإنجليزية لأوّل مرة في ترجمة 1892 بفضل باحث الجنس النمساوي Richard Von Krafft Ebing ودراسته العلمية “الأمراض النفسية الجنسية”. ومن المهم أن نسوق ملاحظة هنا كون الجنسانية الثنائية كانت تميل إلى الاختفاء من المشهد العام في هاته الفترة الزمنية. ويعتبر علن الجنس هو العلم الذي سعى لمعرفة اسم وطبيعة شتّى الرغبات والأنماط الجنسية، إذ أنّ هذا العلم لم يجلب شخصيات الثنائي والمثلي والغيري الجنس إلى دائرة الاهتمام العام فحسب بل تقصّى أيضا السلوكات المنحرفة بما فيها السادية والمازوخية.

لكن علم الجنس وعلى الرغم من حماسه التصنيفي لتوسيع معرفتنا بالإيروتيكية، لكنه لسوء الحظ قد حدّ من القدرة على استقصاء كل الهويات والسلوكات الجنسية المختلفة التي يسعى إلى تقيميها على الرغم من تصنيفها كحالات مرضية. وإذا كان ثمّة حقل واحد من حقول المعرفة منذ منعطف القرن العشرين قد مضى أكثر من أيّ حقل أخر بفهمنا للجنسانية إلى ما وراء علم الجنس فهو بالتأكيد التحليل النفسي وذلك ابتداء من أبحاث سيغموند فرويد في اللاوعي. حيث قام بتطوير نماذج تقتفي أصول اللذة الإيروتيكية إلى الطفولة قصد تنظيره لكيفية بناء الكائنات البشرية لمحدّدات هوية جنسية نوعية، كاشفا بأنّ تنظيم الدوافع الجنسية يبدأ في اللحظة التي ندخل فيها العالم.

ومع ذلك، فإن هذا التشديد الواسع الانتشار حول قدرة الجنسانية على كبح أو تحرير الرغبة الجنسانية لم يرق المنظر الاجتماعي الفرنسي ميشال فوكو بوصفها ليست أكثر من وسيلة يتمّ من خلالها تنظيم السلطة في المجتمع الغربي. فلطالما جادل على نحو متكرّر النماذج الارشادية الفرويدية المختزلة في العملية الوصفية فقط الأمر الذي يساهم من وجهة نظر فوكو في مزيد كبت رغباتنا وشهواتنا الجنسية التي نسعى دوما لفهمها وتفسيرها.

2-فوكو والجنسانية: صراع الفرد الباحث عن اللذة والكينونة الجنسية مع الديانة المجتمعية القامعة للشهوات.

“لقد أصبح الجنس أكثر أهمية من أرواحنا وأكثر أهمية تقريبا من حياتنا” هكذا وصف ميشال فوكو الجنس في كتابه “تاريخ الجنسانية” متسائلا حول الأسباب التي دفعت بالكثيرين من مثقّفي القرن العشرين للاتفاق حول اعتبار “الجنس يستحق الموت من أجله”. بالإضافة لتساؤله حول الأسباب الكامنة في جعل الحضارة الغربية تربط الرغبة الجنسية بمنظومة اللذات المنحطّة، داعيا لنا للتفكير بشكل جدّي في الطرق التي نشأ فيها “الجنس” و”الجنسانية” و”البورنوغرافيا” وفي أنواع السلطة التي تستمر في تكريسها.

في الواقع لا تزال كتابات ميشال فوكو إلى حدّ اليوم مصدر ازعاج للكثير من المثقّفين نظرا لرفضه القطعي استخدام المادية الجدلية لماركس وإثبات الحقائق النفسية التي طوّرها فرويد حول النزعة الإيروتيكية في الغرب بسبب اعتباره أن هاته المدارس النظرية قد فشلت في تحليل مفهوم الجنس. إذ يعتبر فوكو أوّل مثقف معاصر يقدّم نموذجا ارشاديا نقديا يشكّل قطيعة حاسمة مع النماذج السكسولوجية والتحليلات النفسية اللاحقة التي هيمنت في كل من الثقافتين الأكاديمية والشعبية. فرؤية فوكو للجنسانية يمكن أن نلمسها من خلال المقولة التالية “يجب ألا توصف الجنسانية كدافع عنيد غريب بطبيعته وذي ضرورة متمرّدة على السلطة تستهلك ذاتها وهي تحاول أن تقهرها وغالبا ما تفشل في السيطرة عليها كليا، إنها تبدو كنقطة تحويل كثيفة على نحو خاص لأجل علاقات السلطة… فالجنسانية ليست العنصر الأكثر عنادا في علاقات السلطة بل بالأحرى أحد تلك العناصر المحبوّة بأعظم فائدة“.

وبدلا من الافتراض كما يفعل علم الجنس والتحليل النفسي بأنّ الجنسانية هي قوّة هيدروليكية عارمة تصارع الثقافة الغربية لكبتها، يفضح ميشال فوكو ما يخبرنا به هذا الاعتقاد الخاص حول النزعة الإيروتيكية عن الطرق التي توزّع بها السلطة وتنتقل وتنتج ضمن الثقافة الحديثة وهذا هو السبب المفسّر لرغبة فوكو في تحديد موقع الجنسانية كمفهوم يفيد نقطة تحوّل كثيف “لعلاقات السلطة”. ولكي نبسّط الفكرة أكثر يمكن أن نتتّبع مسار تحوّل تركيبة العائلة من عصر النهضة الى الوقت الحاضر، إذ يكشف تاريخ العائلة الأوروبية أن مثل المعاصرة للزواج القائم على الحب الرومانسي قد بدأت في القرن ثامن عشر تطيح بالنماذج العائلية الأقدم عهدا والتي كانت تشدّد أكثر على الروابط الشاملة للقرابة والتبادل الاقتصادي.

يطوّر فوكو هذا التحليل ليتفق مع مقدّمته الأساسية بأن الجنس بغض النظر عن كونه قد تعرّض لإسكات منذ العصور الوسطى وانتهاءً بالمطالبات المسيحية بتطهير الشهوانية الآثمة كان موضوعا لانفجار كاسح للخطاب الناتج عن إفراط الثقافة الفيكتورية في الاحتشام وسعيها لإسكات الجنسانية معلنا بأن الرغبة في الكلام حول الطبيعة المكبوتة للجنس إنّما تساهم في البنية ذاتها التي تسعى إلى تفكيكها إذ يقول في هذا السياق:” بدلا من الاهتمام المنظم في إخفاء الجنس وبدلا من الاحتشام العام المفرط للغة فإن ما يميز هذه القرون الثلاث الأخيرة هو التنوع والانتشار الواسع للحيل التي يتم اختراعها من اجل الكلام عنه وجعله معلنا … بدلا من الرقابة الهائلة بدءا بالخواص اللفظية المفروضة من قبل عصر العقل فإن ما ينطوي عليه الأمر إنما كان تحريضا منظما ومتعدد الاشكال على الخطاب

لا شكّ في أن تحليلات ميشال فوكو للطبيعة الجنسانية للمجتمع البشري في القرن الماضي تعدّ سابقة لعصره وصالحة لكل زمان ومكان نظرا لانطلاقه من معطيات واقعية وتجارب علمية خاضها بنفسه عبر غوصه وافراطه في العلاقات الجنسية المثلية التي أودت به في نهاية المطاف للإصابة بمرض الإيدز مما أدى إلى موته بالإضافة لتغلغله في المكون الأنثروبولوجي للمناخ الثقافي للمجتمعات الغربية.

ومنه يمكن أن نخلص إلى معطيين أساسين في هذا السياق أوّلهما أن أكثر الأشياء حميمية لدينا مثل الذكورة والأنوثة تعود في نهاية التحليل إلى الثقافة وليس إلى الغريزة كما أن اكتشاف الذات الفردية هي الأخرى إنّما هي نتيجة تراكم تاريخي وليست مسألة غريزية. كم هو مركّب ومعّقد ونشيط ذلك الشخص المكبوت لدينا الساكن فينا عند غروب شمس الألفية الثالثة.