المعتصمة: فيلم وثائقي لعباس الجلاصي: كل فقير هو مكافح، كل حياة هي تجربة نضال:

ماهو الفيلم الوثائقي؟ يبدو أنه سؤال مهم يلوح في أذهان الكثرين ممن يرغبون في إنتاج الأفلام الوثائقية أو أولئك الذين تستهويهم مشاهدتها، وبقدر بساطة السؤال تكاد تكون الإجابة أيضاً بسيطة، إلا أن كثرة موضوعات الأفلام الوثائقية والقضايا التي تتناولها جنبا إلى جنب مع المعالجة والبنية الفيملية، جعل الإجابة عن هذا السؤال تستلزم شيئاً من التفصيل. 

بداية، الفيلم الوثائقي يصنف ضمن الأفلام الحقيقية أي أنه nonfiction، بخلاف الأفلام الدارمية (narrative الروائية) ـ مثلاً ـ التي تصنف على أنها fiction أي أنها مبنية على الخيال أساساً أو على قصص واقعية ولكن بمعالجة وسياقات مصطنعة. فالفيلم الوثائقي يتناول (أشخاص) حقيقين، (قضايا) حقيقية، في (سياق) حقيقي، لإيصال رسالة محددة. وهو ما فعله عباس الجلاصي في فيلم “المعتصمة” الذي يتناول حكاية فاطمة الشيخ علي عجوز مسنة من مدينة الكاف تبلغ من العمر 85 سنة، تعيش وحيدة في بيت عتيق وتعمل بائعة في السوق للثياب المستعملة.

ماهو المميز في هذه العجوز ومئات غيرها وربما آلاف لا يسمع بهم أحد منتشرون في جميع أنحاء تونس الصغيرة، ينتظرون الرحمة والسلوان من قلوب نسيتهم منذ زمن بعيد؟ ربما كإجابة عن هذا السؤال، قرر عباس إنجاز هذا الفيلم الوثائقي حول “المعتصمة”.

عجوز تلوح شجاعة مثابرة رغم فقرها الواضح وحاجتها. تستقبل المصور بثقة، بنظاراتها المحطمة وفمها الخالي من الأسنان، وبشجاعتها وكبريائها. تقول: “إن بقيت في البيت فمن سيمنحني قوت يومي؟ لم نترب على طلب المعونة، والتكاسل، تربيت على العمل منذ صغري، وسأظل أعمل إلى أن أموت…”

من هنا نتجلى جمالية هذا الفيلم البسيط في ظاهره العميق في جوهره، يروي حكاية عجوز عانت الأمرين منذ صغرها بين أم وأب مطلقين، ثم مع زوج حكم عليه بالسجن في بلد آخر، وظلت تكافح معه إلى أن توفي وبقيت بعده تكافح من أجل ضمان رزقها اليومي.

كم من “فاطمة” تعيش على هذه الأرض؟ وكم من “فاطمة” تنتظر شخصا يأتيها كي يعاين واقعها وينقل هذا الواقع ليراه الناس علّ التغيير يحدث، علّ العاصفة تهب، وعلّ العفن يزول، عفن الفقر، عفن الحاجة، عفن التجاهل.

هذا الفيلم الوثائقي، يوثق حكاية كفاح وصمود في وجه الفقر والواقع. هو قصة نجاح رغم كل شيء. نجاح عجوز في أن تستقل بنفسها وأن تقيم أودها بنفسها رغم مرضها وحاجتها وعجزها. “معتصمة” أخرى تنوه بنوع آخر من الشجاعة، ليس كشجاعة المعتصم (الخليفة) الذي هزم مدينة بسبب نداء امرأة، بل هي شجاعة مسنة قررت أن لا تمد يدها للتسول، وقررت أن على هذه الأرض ما يستحق الحياة رغم كل شيء، فنجدها تختم الفيلم الوثائقي بأغنية كافية أصيلة، وتقول: “أنا أضحك وأمازح جاراتي، ولا أطلب من الله شيئا إلا قليل من الصحة كي أستمر في الإنفاق على نفسي. الحياة لا تستحق منا كل هذا التوتر الذي نعيشه، علينا فقط أن نفتح قلوبنا للإيمان وأن نحمد الله على ما منحنا إياه من نعم، وأن نحيا بما لدينا…”

كلمات، ليست كلمات شاعر مفوه، ولا خطيب بليغ، ولا هي كلمات ممثل معروف. هي كلمات عجوز تعيش في ركن نائي من تونس العزيزة، هي صورة تونس: المقاومة، الصامدة، الأبية رغم الفقر، المناضلة. هي صورة تونس “المعتصمة”…

غادة بن صالح