جيل دولوز: المفكر الذي أبدع في خلق فلسفة متحررة من المفاهيم الجامدة:

 حتى تكون فيلسوفا مبدعا ومؤسسا لفكر خلاّق ومسيرة ثرية بالكتابات الفريدة من نوعها، يجب أن تتميز بنفس حرّ ورؤية ناقدة ومتمردة على طرائق التفكير النمطي تعمل على استيعاب الموجود الاجتماعي وإعادة انتاجه بشكل مختلف عمّا سبقه. وهذا ما ميّز فيلسوف النصف الثاني من القرن العشرين جيل دولوز، حيث كان محاورا مباشرا للفلسفة الوجودية والفينومينولوجية وناقدا لمظاهر العقلانية الديكارتية الميتافيزيقية. فجعل من فلسفة الاختلاف أفقا مجاوزا للدوغمائية الفلسفية القديمة، مستنيرا بجملة من المفكرين المبدعين أمثال نيتشه وبيرغسون وسبينوزا للبحث عن أصالته الفكرية. فقدم تصورا يمتاز بجدته في تناول كل القضايا الفكرية والفنية وحتى السياسية بواسطة ابتكاره لحزمة مفاهمية تستجيب لمقتضيات الراهن.

يتميز الفكر الفلسفي لجيل دولوز بالترحال إلى مناطق ظلت بعيدة عن الاستكناه الفلسفي والتناول الفكري التقليدي ضمن مسيرة طويلة من البحث والكتابة غلب عليها طابع الاكتشاف والابتكار في إمكانات جديدة للحياة في صيرورتها وهاجسه بالمختلف والمغاير والمتعدد. فالفلسفة من منظوره ليست تأملا لأن التأملات هي الأشياء ذاتها، كما أنها ليست بتفكير لأن لا أحد في حاجة إلى الفلسفة للتفكير في أي شيء كان. وإنما الفلسفة هي انفراد بإبداع المفاهيم التي نستطيع من خلالها النفاذ إلى واقعنا الراهن بأسلوب متفرد ورؤية متجددة تتماشى وخاصيات ما نعيشه في العصر الحالي دون أن نكون سجناء للتصورات القديمة.

وبناء على ذلك، يمكن أن نقسم المسيرة الفلسفية لجيل دولوز إلى أربعة مراحل كبرى عمل في سياقها على بناء ذاته المفكرة انطلاقا من تحطيم صورة المفكر الممتلك “للإرادة الطيبة”  والقطع مع الفكر المنغلق القائم على التمثل والهوية والتشابه والتخلص من تاريخ الفلسفة الغارق في الماورائيات والمثالية الأخلاقية. حيث لم يكن دولوز في البداية يتوفر بعد على وسائل الإمكانات التي تخلصه من قبضة هذا التاريخ ما يمكنه بالتالي من الكتابة لحسابه الخاص. إذ هنالك فرق بين أن تكتب في تاريخ الفلسفة الذي يفرض على الفيلسوف الانطلاق من الأسماء الكبيرة واللامعة دون تجاوز المنطق المحدد للإشتغال الفلسفي، وأن تكتب في الفلسفة بما يعني حسب دولوز الابداع ليس في خلق الأفكار الصحيحة بل بالأحرى الأفكار الجيدة. حيث لا ينبغي لنا أن نبحث عما إذا كانت فكرة ما صحيحة أو خاطئة، بل يجب البحث عن الأفكار المختلفة والجديدة كشيء يمر بين الاثنين لا يكون في الأول ولا في الثانية.

وعليه، تميزت المرحلة الأولى لمسيرته الفلسفية بالتعامل مع تاريخ الفلسفة ليس بشكل تأملي مستنسخ عن سابقيه، وإنما عمل على إعادة انتاج مفكريه (ديكارت، فرويد، ماركس) لا كشارح قارئ فقط وإنما تناولها بشكل مختلف. وكأننا نكتشفهم لأول مرة، بحيث يكتب دولوز كما لو أنه يتعامل مع فرديات لا شخصيات. أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة بداية تأسيسه لفلسفته الخاصة والتي أعلنها منذ إصداره لأطروحته الجامعية لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان “الاختلاف والتكرار” إضافة إلى كتابه “منطق المعنى”. حيث كان رافضا انساب فلسفته إلى نوع من الفلسفة التي تبحث عن الحقيقة المطلقة والوحدة المتناهية. ليتميز بالتالي بفلسفة الاختلاف الباحثة في الأقليات والمنسي.

أما المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي اشتغل فيها دولوز على الأعمال الفنية كالرسم والسنيما والأدب التي وفرت له إمكانات جديدة للبحث عن مسارات الابداع في ميادين الألوان والخطوط والصور. أما المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي مرحلة الشيخوخة بالمعنى العلمي لا العمري والتي تحيلنا على النضج الفكري لدولوز. أين بحث فيها عن ماهية الفلسفة في حقول مختلفة، حيث لا يعود مكتفيا بتظهير المفاهيم من نصوص المبدعين ليبتدع مفهومه الخاص عن الفلسفة مرتكزا على فراجة تجربته.

كما تميز دولوز بتجاوزه للتصور الكانطي المنظر للفن كتجربة ذاتية لا تعبر عن المضمون، ليؤسس لتصور فني ملتحم بالوجود الاجتماعي ومتحرر من القيم المثلى والمتعالية عن الواقع. حيث نجح في اخراج الفن من برجه العاجي وتصوراته التقليدية كترف معرفي، ليسحبه إلى مجالات الحياة بحيث يتحول إلى حاجة إيتيقية للمجتمع تمكن الفنان من تقديم أفكاره إما بالصور أو الألوان أو الكلمات بشكل يسمح له بتقديم رؤية جمالية للوجود ترقى بالحس الجمالي ليؤثر في البعد الأخلاقي. حيث أكد دولوز في كتاباته على دور الفن في تحرير القدرة على الفعل وتحرير الحياة من السجون التي خلقها الانسان. وهو ما دفعه لاعتبار الفن شكلا من أشكال المقاومة الخلاقة بأساليب إبداعية. إذ ان قوة العمل الفني في منظوره تتمثل في قدرته على القبض باللحظة الراهنة وجعلها دائمة. وإزالة كل ما يلتصق بإدراكاتنا الجارية واختراع انفعالات عظيمة مجهولة وجعلها تبرز للعيان. وابداع مؤثرات ادراكية قادرة على جعل القوى غير المحسوسة التي تسكن العالم قوى محسوسة تؤثر بنا وتحولنا إلى صيرورة.

إذن، يعد من الصعب تناول الفكر الفلسفي لجيل دولوز وقراءته ضمن مقال واحد نظرا لتداخل اهتماماته الفكرية وتعقيداتها. لكننا في ظل ما نحياه في عصر التواصل الفقير جدا من لحظات الابداع لن نكف عن استدعاء تفكير الفيلسوف وعمل الفنان ومشاريع الشباب من أجل ألا يميتنا الواقع وكي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة.