“الجامعة التونسية لنوادي السنيما”: ولأننا نحب الحياة، نذهب دوما إلى السنيما!

تعدّ السنيما من الفنون البصرية الكلاسيكية الراوية للقصص والحكايات الواقعية والخيالية بشكل مختلف ومتفرّد بتفرّد الصور المسترسلة والمزيّنة بمفردات ايقاعية وزمكانية من صنع مخرجها والمسافرة بمشاهدها بين عوالم مختلفة. إذ يعتبر فنّ السنيما أداة للتعبير الثقافي والفكري والفلسفي والابداع الخيالي المعالج لقضايا مختلفة. فالفيلم الجيد حسب ألفريد هتشكوك “هو الذي إن حذف شريط الصوت بالكامل يظلّ المشاهد مستمتعا به”، وهو ما يدخل ضمن الخطة الشغلية لنادي سنيما تونس المهتم بتاريخ السنيما عبر تناولها “لأعمال المؤلف” وفقا لمقولة أليخاندرو أمانابرا “أفلامي لا تقدم إجابات وانما أفلامي تطرح أسئلة”

يعود تأسيس الجامعة التونسية لنوادي السنيما إلى تاريخ 1949 على يد طاهر شريعة، حيث كان طاهر شغوفا بالمادة السنيمائية وعاشقا لحكاياتها التي يلتهمها بنهم شديد. فلا يفوّت فيلما أو شريطا وثائقيا يعرض في قاعات السنيما إلا ويشاهده ويسافر مع أبطالها ويعيش مغامراتهم. وفي إحدى المناسبات سنة 1946، تفاجئ طاهر بعد انتهاء الشريط عدم مغادرة الجمهور لقاعة العرض بدافع تأثيث حلقة نقاش حوله. فكانت تلك المرة الأولى التي يكتشف فيها نوادي السنيما، ليقرر على إثرها طاهر بعث الجامعة التونسية لنوادي السنيما وهي جمعية ثقافية مستقلة تعمل على نشر ثقافة سينمائية مستقلة بديلة ومغايرة عن كل ما هو تجاري ربحي وتسلط الضوء على أعمال المؤلف (المخرج يكون هو صاحب العمل ويسهر على إنجازه من الألف إلى الياء) الحاملة للقضايا والتي لا تحظى بنسب مشاهدة كبيرة نظرا لعدم انخراطها في الماكينة التسويقية ورواجها بالقاعات التجارية. إذ أن مخرجها لا تهمه مداخيله الربحية بقدر ما يهتمّ بالفكرة التي يعالجها عمله.

تعد إذن الجامعة التونسية لنوادي السنيما أول جامعة لنوادي السنيما بإفريقيا والعالم العربي، وأول مدرسة للمخرجين ومحبي السنيما في ظل غياب المدارس المختصة. إضافة لكونها تعتبر أول حاضنة أساسية لكل الجمعيات السنيمائية بتونس، عملت على تأسيس العديد من الجمعيات السنيمائية في افريقيا والعالم العربي ساهمت في إرساء لا مركزية النشاط الثقافي في المجتمع التونسي بواسطة نواديها المنتشرة بأكثر من ولاية والتي يبلغ عددها حاليا 29 ناديا موزعين في مختلف الجهات والولايات التونسية. إلى جانب إصدارها لأول النشريات المختصة بالنقد السنيمائي وتنظيمها للأسابيع السنيمائية بالتعاون مع المراكز الثقافية.

كما تتميز الجامعة التونسية لنوادي السنيما بتنظيمها لتربصات تكوينية بغاية تمكين المتلقي من أدوات علمية لتحليل وفهم مكونات وتقنيات الفن السنيمائي. إلى جانب دعمها للعمل الجمعياتي وترسيخ روح التطوع والعمل المشترك وسعيها لتعويد الناشئة على الأساليب الديمقراطية واحترام مبادئ الحوار والاختلاف من خلال النقاشات التي تنظمها إثر العروض. بالإضافة إلى سعيها لتوفير فضاء عرض بديل أمام الأشرطة المستقلة والهاوية التي لا تجد سبيلا ورواجا بالقاعات التجارية.

ومن بين نواديها، كان لنا لقاء مع نادي سنيما تونس أين حاورنا رئيسه سليم بن يوسف. حيث يتفرّد نادي سنيما تونس ببرمجته السنوية الثرية لحصص عروض ونقاشات لأشرطة متنوعة تُعنى بالتاريخ السنيمائي من مختلف الأنواع والمدارس السنيمائية يتمّ وصفها بتذكرة عبور يسافرون بواسطتها إلى عوالم جديدة نقشت حروفها على جدران مهترئة تصوّرها عدسات مخرجها. لتبعث فيها الروح من جديد، وتنقلها لنا لنرقص على ايقاعاتها ونعيش مغامراتها ونهتف بإسمها في أعتى المناقشات الحامية فتمتصّ دمائنا المسمومة بنمطية هذا العالم وتهبنا روحنا المسلوبة.

ففي كل سنة، يتمّ تحديد موضوع معيّن ينتقي على إثره نادي سنيما تونس مجموعة من الأشرطة الطويلة المحلية والعالمية المعالجة له لتعرض وتناقش في شكل محاور متفرعة كل يوم اربعاء خلال الفترة الممتدة من شهر نوفمبر إلى شهر ماي في دار الثقافة ابن رشيق ابتداء من الساعة السادسة مساءا. وفي حين كانت البرمجة الفارطة تعنى بالجسد، وقع الاختيار هذا العام على موضوع المدينة في بعدها الاستيتيقي والتنظيمي في التاريخ السنيمائي. فخلال شهر نوفمبر تمّ معالجة موضوع المدن الخيالية عبر عرض سلسلة من الأفلام الطويلة مثل Playtime الصادر سنة 1967 للمخرج Jaques Tati إضافة لشريط  Manhattan الصادر سنة 1979 للمخرج  Woody Alen.

أما في شهر ديسمبر، فقد تم معالجة المدن المهمّشة عبر مجموعة من الأفلام مثل  Affreux, Sales et méchants الصادر سنة 1976 للمخرج  Ettore Scola إلى جانب شريط Les chevaux de dieu  الصادر السنة 2012 للمخرج نبيل عيوش. أما في شهر فيفري، فقد تمّ التطرق لموضوع الحب في المدينة بواسطة عرض ونقاش مجموعة من الأفلام مثل Hiroshima mon amour  للمخرج Alain Resnais وفيلم Les Nuits de la pleine lune  للمخرج Eric Rohmeur. وسيتم في أخر السنة اختتام البرمجة في شهر ماي والذي سيكون مخصّصا للمخرج الإيطالي Fellini  المتميّز بأسلوبه الفريد في انتاج الأفلام التي تعنى بالمجال المديني. حيث سيتمّ عرض عينة منها وأبرزها Roma، La Dolce Vita وHuit et Demi.

وإلى جانب ذلك، خصّص نادي سنيما تونس برمجة سنوية لتأثيث ورشات تحليل الصورة كل يوم جمعة ابتداء من الساعة الثالثة بعد الزوال بمقرها الكائن في شارع باريس يتمّ خلالها التطرق لمناقشة الجزئيات التقنية للتسلسل الهرمي في صناعة الفيلم مثل الصوت والصورة والمكان والزمان ورؤية المخرج في حدّ ذاتها أثناء تصويره لأحداث الفيلم. ففي شهر فيفري تمّ التطرق إلى أشرطة متنوعة لجملة من المخرجين الهامين مثل Gus Van Sant وChantal Akerman  .

كما تمّ إضافة برمجة خاصة لعرض الأشرطة القصيرة ومناقشتها كل يوم سبت انطلاقا من الساعة الثالثة مساءا في مقر نادي سنيما تونس. ففي شهر نوفمبر، تمّ مثلا عرض فيلمين قصيرين للمخرج Aztravald Pelechian وهما Les Saisons  وMountain vigil. كما تمّ في شهر مارس التطرق لأفلام Jean Vigo وهما A propos de Nice و Taris roi de l’eau.

ليست للسنيما فرجة موسمية أو مواقيت محددة ومضبوطة معدّلة على ساعة المهرجانات السنوية. وإنما للسنيما كلّ الأوقات وكلّ الأزمنة، فيكفي أن تختار اسم الفيلم حتى تنطلق الرحلة حيث يقول روبرت ألتمان:” السنيما هي كيفية أن تعيش أكثر من حياة حياة جديدة مع كلّ فيلم تشاهده”.