لنفرض مثلا أننا حدثناكم عن طفلة مصابة بالتوحد، عالمها منحصر في جدران غرفتها الأربعة وأحلامها العريضة التي لا تستطيع التعبير عنها لأنه لا أحد هناك كي يفهمها ويساندها في تحقيق تلك الأحلام. ولنفرض أيضا أننا حدثناكم عن نفس الطفلة وقد أصيبت بسرطان خطير جعل أيامها المسجونة قليلة، وجعلها تنتظر الموت ببطء. ترى حينها ماذا ستكون ردة فعلكم؟

اليوم شخصيتنا هي شابة مكافحة صممت على الحياة قبل النجاح، وصممت على النجاح قبل الموت. هي رحلة كفاح وصراع ضد المرض والتعب والارهاق والظروف بدأتها « الصحفية الصغيرة » ياسمين شبار كما تسمي نفسها ولكنها كافحت ومازالت تكافح من أجل تحقيق حلمها وهو أن تكون صحفية شهيرة وأن يكون قلمها ذو دوي عال على المستوى الوطني والإقليمي: « اكتشف والدي إصابتي بمرض التوحد منذ صغري. لم أكن ألعب مع أحد ولا حتى إخوتي وكنت أفضل الجلوس وحيدة في ركني الضيق ولا أسمح لأحد بأن يقتحم ذلك الركن الخاص. قضيت ردحا كبيرا من طفولتي وحيدة أتأمل السماء من النافذة وأكافح ضد مرض لم أكن أفهمه. وأخبرك الآن أني نجحت في التغلب عليه لا أدري كيف. قررت ذات يوم أن أحارب خوفي من الآخرين وأن أخرج للعالم وخرجت. كانت شبه معجزة خاصة لأبوي الذين اعتادا أن يسمعا مواساة الأطباء وتعازيهم وكأنني قد توفيت… »

تواصل ياسمين حديثها عن تلك الفترة: « كنت أزاول دراستي كأي فتاة طبيعية رغم كثرة غياباتي بسبب المرض، ولكني أكتشف في سن 13 إصابتي بمرض السرطان، وهو ما جعلني أدخل في دوامة لا نهاية لها من العلاج والذهاب للمستشفى والتحاليل والأدوية. قررت أن السرطان لن يقتلني ولم يقتلني. تخلصت منه وأقصاه جسدي ولكني بسببه انقطعت عن الدراسة وأنا في السنة الأولى ثانوي من المعهد ولم أستطع العودة إلى مقاعد الدراسة ومنذ تلك اللحظة بدأ التحدي الحقيقي لي في الحياة… »

تقول ياسمين: « أعتقد أن النظام التعليمي في تونس قاتل للمواهب باسم ضرورة الحصول على شهادة. إذ اتبعت منطق الدولة التي تفرض أن ننال شهادة الباكالوريا كي نستطيع التوجه إلى الجامعة واحتراف الصحافة لما أمكنني أن أفعل أي شيء بمستواي الدراسي المتدني. في تلك الفترة حينما أحدث أبي وأمي عن حلمي يندهشان ويقولان لي: « كيف ستصبحين صحفية وأنت لم تجتازي حتى الباكالوريا؟ ». أفكر حينها أنهما كانا يبحثان لي عن دورة تكوينية في مهنة ما: طباخة، حلاقة أو حائكة ملابس. ذلك الأمر جعلني أصر أكثر على ملاحقة حلمي. كنت أقرأ مئات المقالات يوميا وأحاول الكتابة مثلهم، وأرسل إلى الجرائد والصحف والمجلات المحلية والعالمية إلى أن بدأت بتلقي إجابات القبول بعد إجابات الرفض العديدة. مع أول « نعم » انطلقت مهنتي… »

تواصل ياسمين: « عملت مع مؤسسات عديدة مثل « الخبير »، « تونسنا »، وقنوات تلفزية مثل تلفزةTV، وتونس review. تلقيت تشجيعا كبيرا على عكس توقعاتي، وحين نشر لي أول مقال ذهبت به إلى أمي التي لم تصدق أنني أنا من كتبته. ذلك الاندهاش على وجهها وشعور الحيرة الذي رأيته مرتسما على ملامحها كانا أكبر وسام على صدري بأنني نجحت في تحقيق جزء من المستحيل… »

تختتم ياسمين الحديث إلينا بقولها: « أنا شابة متشبثة بهذا الوطن على الرغم من كل المعاناة والقهر الذين أعانيهما فيه بسبب مستواي الدراسي وظروفي السابقة. أطمح أن أرى المثقف في بلدي ينعم بأرضها ويوجه طاقته إلى إنتاج فكري حقيقي وليس إلى تعبير عن حالة الكبت والظلم التي يعاني منها. لا أريد أن أنعى صديقا بعد الآن لأنه انتحر ولا أريد أن أرى شابا آخر يهاجر من هذا البلد. أرى أن دوري ودور كل شاب غيري أن يكرس نفسه من أجل النجاح فيما يحبه ويهواه كمهنة، كدراسة، كهواية… المهم ألا يتوقف ولا يخضع ويعرف أنه ليس هناك مستحيل إلا لو قررنا أن يكون موجودا في حياتنا. هذه الحياة هي هبة ونعمة ويجب الاستفادة منها إلى أقصى حد: إفادة النفس وإفادة الآخرين، بذلك تتحقق رسالة الإنسان الحقيقية، أن يثبت فعالية وجوده ويترك بصمة له قبل أن يموت… »

بهذه الكلمات القوية ختمت ياسمين حديثها، ونحن من موقعنا ندأب دائما على تشجيع هؤلاء الشباب ودعمهم بكل ما نستطيع مرددين كما اعتدنا دائما: « لنا الفن والثقافة كي لا يميتنا عفن الواقع، لنا الفن والثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة… »

فريق راديوشن

غادة بن صالح

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا