فرانس كافكا: “إنّ الكتابة كالفأس الحاد تشقّ البحر المتجمّد في داخلنا لتغرز بذور الحياة”:

للكتابة سحرها الخاص لا يدركه سوى من يعشق نقش الحروف على الورق الأبيض جلّ الحكايات والقصص الخيالية والواقعية بأسلوب فريد مستلهم من روح كاتبها ونفسه دون تقليد. حيث ترقص الكلمات على إيقاعات مشاعر الفرح والسعادة والغبطة والغضب وكلّ ما يلوج بذاكرة صاحب القلم. لتتحوّل على إثرها إلى سلاح صامد في وجه اعتلالات الوجود ونمطيته وعبثيته وحتى سوداويته التي يمكن أن تكون بدورها مصدرا للإبداع والالهام مثلما فعل الكاتب التشيكي الرائع فرانز كافكا الذي يعدّ رمزا للكتابة الحداثية الممتلئة بالسوداوية والعبثية.

*حياة كافكا: المعاناة والابداع وجهان لعملة واحدة:

ليس للإبداع حدود حتى وإن كانت ذاتك نفسها المعرقل الرئيسي لك، فماذا إن كان والدك الذي يراك بمثابة خيبة أمله الكبير. بهذا يمكن أن نستهلّ الحديث عن أديب القرن العشرين الملقّب برائد الكتابة الكابوسية أو السوداوية فرانز كافكا. فلكي ندرك عمق كتاباته، يجب أن نغوص فيها بقلوبنا كي نصل إلى فهمها حتى نتمكن من التماس حسه البالغ الذروة، متخلّصين من كلّ الاحكام المسبقة لنعقد معه معاهدة سلام تنصر كتاباته التي ذاقت من العتمة ما ذاقت والتي بلغت لحوالي ربع قرن نظرا لانتمائه الديني لليهودية وما عاصره في ذلك القرن لمحرقة الهولوكوست – وهي إبادة جماعية قتل فيها ما يقرب 6 ملايين من اليهود على يد النظام النازي لأدولف هتلر والمتعاونين معه- والتي أودت بحياة شقيقاته الثلاث.

تميّزت طفولة كافكا بنبذه من قبل عائلته التي تجده عنصرا فاشلا في فضائها، بالإضافة إلى علاقته المضطربة مع والده. ممّا ساهم في تشكيل صورته الخاصة للسلطة العليا في مخيلته الباطنية والتي ستكون آثارها منعكسة على نفسية كافكا وكتاباته طوال مسيرة حياته. ولعلّ من قرأ روايته “المحاكمة” المليئة بحالة من الكآبة والفوضى والغموض المتنامية بداخل بطلها –والذي هو في حقيقة الأمر تجسيد كافكا لذاته- من مشاعر الإحباط بغاية اثبات براءته أمام ما يواجهه من جنايات مجهولة. سيعلم مدى الأسلوب الفريد الذي كان من خلاله يصور كافكا معاناته التي يعيشها والمتسببة بوحدته ونبذه من قبل الجميع نظرا لانتماءاته العرقية والدينية وحتى الفكرية. ممّا ولّد بداخله لطاقة من الابداع لا تتمرّد فقط على السلطة بكلّ أنواعها التي كانت تمارس عليه، وإنما أيضا على ذاته التي كان يعمل دوما على جلدها وتوبيخها باستمرار. حيث أبى كافكا أن يمنح حياته دفاعا عن السلطة الأبوية ثم المجتمعية ثم السياسية، ليجعل من الكتابة ملاذه الخالص من عالم لم يختر المجيء إليه. فحتى كتاباته التي أنتجها كان يرفض نشرها، حيث لم يكن يعلم بأن ما كتبه ذات يوم سيكون جزءا من التراث الأدبي العالمي والفضل يعود لصديقه “ماكس برود” الذي أنفق عشرين سنة من عمره منذ سنة 1930 إلى 1950 منكبّا على دراسة واستخراج ونشر أعمال كافكا. متناسيا ما تركه كافكا في وصيته حيث قال له :” احرق كلّ شيء دون قراءة، أريد أن ينساني الناس”.

إذ يمكن أن نستخلص من ذلك بأن كافكا هذا الأديب العظيم لم يكنّ أي أهمية للشهرة والثروة بقدر سعيه نحو تحقيق ذاته المفقودة. فعلى قدر ما كانت حياته مليئة بالحزن والمعاناة، كان كافكا ذلك المثقف الحساس الذي وهب عمره للكتابة على اعتبارها شكلا من أشكال الصلاة لتخليص روحه من براثن الوجودية المقيتة للعالم. حيث تعدّ عملية الكتابة بالنسبة إليه نوعا من الإصرار على تأكيد الوجود إزاء استحالة تحقيق الحب، وهي معاناته اليومية المتواترة وعذاباته الداخلية وعزائه المواسية لنفسه المتألمة. في محاولة منه لتفجير ما يعتمل بداخله من صراعات، محوّلا إياها إلى صور إبداعية وترانيم موسيقية ترقص على صوته المتألم لنخر مرض السلّ في جسده النحيل حيث يقول في هذا السياق:” إذا كان الكتاب الذي تقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأه إذن”.

*كافكا مخلّدا في مقطوعاته الأدبية:

يقول كافكا:” لا أشعر بحقيقة نفسي إلا عندما أصاب بحزن عميق”، ليس من السهل تحويل المعاناة إلى صورة جميلة وعمل ابداعي يسافر بكاتبه وقارئه لحدود اللامعقول. فالفشل والإحباط تعتبر في حقيقة الأمر مصدر الهام كافكا ومزوّده الرئيسي بمزيد من الكتابات التي قام بنفسه بحرق 90% منها لاعتقاده بعدم أهميتها. فبمجرّد أن يمسك بقلمه، كان كافكا ينعزل عن محيطه وحتى عن جسده المعلول ليرتمي في عوالم الحمق والضياع بين دهاليز الجنون ومتاهات الصمت والقلق والعبث واللامبالاة متحرّرا من قيود الزمن وأصفاده وثقله وجبروته ونأيا عن شعوره بالذنب الذي كان يؤرقه. وفي هذا السياق، لنا أن نستعرض أهم روايات كافكا التي لاقت رواجا كبيرا على الصعيد العالمي وجدلا واسعا بين النخبة المثقفة لعلّ أبرزها رواية “القلعة” وهي رواية كافكا الأخيرة، حيث تمّ نشرها سنة 1926 لتروي قصة بطل في نضال كئيب باحثا عن الاعتراف بكيانه وبوجوده الذي يقدره أولئك الذين لم يعترفوا بحقه في الوجود بينهم. إلى جانب رواية “سور الصين العظيم”، أين روى كافكا تفاصيل وحيثيات بناء السور العظيم وامكاناته في حماية المجتمع المدني من العدو.

بالإضافة إلى قصته القصيرة الأكثر شعبية ومبيعا وهي The Metamorphosis  و the trail الذي تحدث فيها بشكل مباشر عن علاقته بوالده. إلى جانب العديد من الروايات الأخرى التي لا يتردّد كافكا للحظة بأن يترك شيئا منه بين سطورها.

تتحوّل الكتابة إلى منارة مضيئة يهتدى بها كل من أمن بها وسلك دربها لتزرع بداخله بذورا لحياة لم يألفها. فيضيع بين زواياها متخلّصا من ثقل الموجودات المادية، متحرّرا من كل أنواع السلطة المتحكمة به. ليتحول على طير حرّ محلق في سماوات التعابير والكلمات التي يخطها قلمه. وهكذا عاش كافكا من أجل إرساء الحياة التي يريد، فحتى موته شكّل له مصدرا للإلهام. فلم يستقبله بموقف درامي و إنما جعل منه نقطة انطلاق جديدة نحو مزيد من الابداع.