بيير بورديو : عالم الاجتماع الذي لم يبخل عن تطوير النظرية السوسيولوجية

في وصفه لبيير بورديو، يقول الفيلسوف الشهير هابرماس التالي:” يعدّ بيير بورديو آخر كبار السوسيولوجيين في القرن العشرين”. هذا الوصف يعود لما ابتكره بورديو طيلة مساره العلمي والأكاديمي من حزمة مفاهمية و رأسمال ثقافي ورمزي طبعت تنظيراته بشكل كبير في علم الاجتماع وشكلت موضوعه ومنهجه.

وعليه يصعب في مقالة واحدة تناول مجمل القضايا السوسيولوجية التي أتى عليها بورديو، وإنما سنعمل قدر الإمكان على عرض الزبدة الرئيسة لأفكار بورديو وما تركه من آثار في علم الاجتماع خلّدت اسمه وحفظت أعماله على مرّ العصور.

*في سوسيولوجيا بيير بورديو:

خاض القلم السوسيولوجي لبورديو غمار التحليل العميق لقضايا اجتماعية متنوعة يصعب حصرها ضمن مجموعة قيمة من الأعمال المتسمة بالثراء والخصوبة، شملت مجالات شاسعة مثل كتاب “الورثة” و”إعادة الإنتاج” و”التمييز”. سعى من خلالها دراسة الطبقات الاجتماعية والنظام المدرسي والنظام المدرسي والثقافة والاذواق الفردية، مرورا بالحقل الأدبي والعلمي والاكاديمي والاعلامي والسياسي والبؤس -في كتابه بؤس العالم-، والهامشية والحركات الاجتماعية والأوروبية.

ممّا ساهم في تجديد التساؤل العلمي في الحقل السوسيولوجي برصانة فكرية وبشكل فريد. مشددّا على الصرامة العلمية والحذر الإبستيمولوجي والرؤية النقدية، عملا بمقولة “جون فرنسوا بورتيي” :” إنّ الأفكار المجرّدة أو الخالصة لا وجود لها”.

فلو أردنا تحديد أهمّ ما أنجزه بورديو في البحث والكتابة السوسيولوجية، يمكننا القول وأنّ ميزته الأساسية تكمن في طابعه التجديدي لعلم الاجتماع.  وذلك من خلال إرادته تجاوز المعارضات التقليدية بين المدرستين الفرنسية والألمانية المؤسسة له، القائمة على الموضوعاتية والذاتوية بين الرمزي والمادي. بغاية تأسيس مقاربة سوسيولوجية مختلفة تماما تسمى بالبنوية القائمة على تقديم المعنى وإعادة إنتاجه ضمن ثقافة ما، من خلال ممارسات ونشاطات مختلفة تؤدي عملها كنظام للتعبير.

وهو ما يجعل جلّ كتاباته على اختلاف مواضيعها، تشترك في الرؤية التي ينظر بها بورديو للمجتمع الذي يجده قائما بشكل مستمر حول ما يسميه بالهيمنة المفروضة من قبل مجموعة من “الأعوان” في حقول اجتماعية مختلفة مثل المدرسة والأسرة وجلّ المؤسسات المجتمعية التي تلعب دورا هاما في ضبط سلوك الفرد ومنهجه على النحو الذي يتماشى والقواعد والأعراف المسيرة لنمط المجتمع. حيث يمكن تسمية هذه العملية في سوسيولوجيا بورديو بالتنشئة الاجتماعية.

كما كان بورديو يؤكّد طيلة مسيرته البحثية وبخاصة في كتابه “حرفة عالم الاجتماع” على الابستمولوجية السوسيولوجية أي بمعنى مدى المحافظة على علميته. مهتديا بذلك بالمبادئ الأساسية للعقلانية التطبيقية في العلوم الاجتماعية لغاستون باشلار لإنتاج المعرفة في علم الاجتماع. إذ يعني ذلك وأن علم الاجتماع يصبح علما بمجرّد القطع حبله السري أو كما يسميه “بالقطع المنهجي” مع الحس المشترك ليعيد انتاجه من جديد بصورة علمية مثلما أسلفنا سابقا عبر النقد والتجربة والملاحظة والمقارنة والتحليل المنطقي، بعيدا كلّ البعد عن المشاعر والاحاسيس والعواطف والغرائز غير المرتبطة بالعقل.

*ماذا يقصد بورديو بالهابيتوس:

بفكّك لأحجية الهابيتوس، ستفهم تماما وبشكل سلس سوسيولوجيا بورديو، حيث يشكّل هذا المفهوم حجر الزاوية في نظريته التي يعمل من خلالها قراءة المجتمع وفهم معطياته وفعالياته. إذ يحيلنا لفظ الهابيتوس على معنى التطبع أو بصريح العبارة بالعقلية التي توجه السلوك توجيها عفويا وتلقائيا. الفرد ينشأ على نحو لا شعوري ضمن بيئة اجتماعية تزخر بجملة من الإشارات والرموز والتصورات التي تتفاعل لتشكّل عمقه الوجداني السلوكي وتحدّد طباعه ونظرته للكون الذي يكتنفه.

فهو أشبه ما يكون بطبع الفرد بالعقلية (المخيلة الاجتماعية) المسيرة للجماعة، ليصبح فعله مشتغلا وفق منطق المجتمع. لذلك يظل الفرد على مرّ الزمن في مرحلة استبطان مستمر ودائم لشروط الحياة ومعطياتها دون ما نهاية.

*في نقد كتابات بورديو:

تحتمل كل نظرية علمية على مجموعة من المأخذ التي تجعلها عرضة لانتقادات مختلفة، ذلك لأن الحقيقة الكاملة غير موجودة. خصوصا وأن دراسة المجتمع لا يمكن اختزالها ضمن منظور واحد. وإنما يجب تفحصه من جوانب وزوايا نظر متعددة حتى يتحقق الفهم والتفسير الصحيح له.

وعليه، فإن سوسيولوجيا بورديو وعلى الرغم ممّا أسس له، فقد واجه العديد من المناقشات التي لا يمكن حصرها. لكن يمكننا ذكر أهمها ضمن نقطتين رئيسيتين أولها وهي تشديده في كتاباته على الهيمنة الكلية للمجتمع ومؤسساته على السلوك الفردي. بما يحوّل الفرد إلى مجرد “وكيل” يعمل دوما على طاعة أوامر العقلية الجمعية، وإلا يعرّض للعقاب.

وهو ما نفاه علم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، حيث بين وأن الظواهر الاجتماعية هي نتاج لسلوكات الأفراد. فالفرد له حرية التصرف في إنتاج أفعاله وتضمينها لمجموعة معاني تسيرها، تساهم في بناء النسق الاجتماعي للمجتمع. وفي جانب آخر، وعلى الرغم من مشاطرة آلان توران بورديو في عملية نقد المجتمعات الحديثة وما تعيشه من حركات اجتماعية، فإنه قد عمل عكس بورديو على إعادة الاعتبار للفاعل الاجتماعي على حساب النظام الاجتماعي وبنيانه. مفسحا المجال لحرية الفعل والإبداع للفرد بعكس بورديو الذي قام بإغراقه في الحتمية وصعوبة التحرّر من عقلنة النظام وماديته.

إنتبه فهذا المقال ليس إلا مجرّد منبه بسيط لك لإغراء عقلك ودفعه نحو مزيد البحث في سوسيولوجيا بورديو التي عملت على البحث في حقيقة المجتمع بطمّ طميمها وفق منظور علمي محكم عبر مجموعة من المغامرات الاستكشافية المستمرة. فماذا تنتظر لتبحث بمفردك في المزيد منها وتبحر بعقلك في رحاب نواميسها السحرية؟

 

آية بن منصور