بانكسي: رسام الشوارع المجهول والثائر على الظلم في كل مكان!

يقول بانكسي:” البعض يحاول أن يجعل من العالم مكانا أفضل، أما أنا فأحاول جعله مكانا أجمل، فإن لم يعجبك رسمي يمكنك مسحه”. عوض أن يختار المشي على السجاد الأحمر تحت أضواء العدسات الصحفية مرتديا أفخم ملابسه حتى يتسلم جوائزه العالمية تكريما له عمّا قدمه من أعمال حصدت شهرة واسعة وصدى عالمي في احدى السهرات الضخمة في المعارض والصالونات الفنية التي كتب ذات عام على أعتابها “إحذر من القمامة”. إختار رسام الشوارع البريطاني بانكسي إخفاء هويته وجعل لوحاته المندمجة بإيقاع الوقائع الاجتماعية والناصرة للذات الإنسانية في كلّ أصقاع العالم هي من تكون في الواجهة. ولعلّ في ذلك رسالة تشير وأنّ الفن البديل تكمن أهميته في القيمة التي يضفيها صاحبها لعمله، قيمة تستمد فاعليتها من الرسالة التي تحملها.

أينما حلّ الظلم وإنتهكت حرمة الإنسان و اغتصبت الأرض في حريتها، ذهب بانكسي ورسم على جدرانها شوارعها المتأكلة والأخرى المهدمة والمخربة بفعل الصواريخ والأسلاك الشائكة، صورا تشكيلية مركبة ومثيرة لقضايا الحرب والرأسمالية والنظام العالمي والممارسات القمعية للأنظمة الدكتاتورية، امتزجت ألوانها بتقاسيم الفضاء الذي وجدت فيه واخترقت سوداويته ورتابته. هذا الرسام الغامض مثل شخصية زورو أو باتمان في الأفلام الكرتونية والسينمائية الرافعة لراية الحق في وجه أعداء الحياة  مخيرة الإختفاء وراء قناع حفاظا على سلامتها من الأشرار.

فإذا أردنا التقرّب أكثر من هذه الشخصية الفريدة من نوعها وذات منظور مختلف للعالم ولفعل الفن والحياة، نجد أن لا أحد يعرف عن قرب هذا الرسام المثير للجدل. والحقيقة وأني استغرب لماذا يسعى العالم بأسره معرفة ملامحه واسمه وكل تفصيل منه ربّما حتى نوع حذائه، ولا يبحثون عنه من خلال اللوحات التي يرصدونها وأحيانا أخرى يسرقونها لدرجة تدوينه على موقعه الخاص تعليقا على بيع إحدى جدارياته التي التي رسم فيها أشخاص يدحرجون قنابل بدلا من كرات البولينغ بالآلاف التالي:” لا أصدق أيها الحمقة أنكم اشتريتم هذه القذارة”. لذلك دعنا نسافر في معالم شخصية بانكسي عبر الإبحار في عمق لوحاته،فلسفة ألوانها ورسائلها المشفرة.

إذن، ما يميز رسومات بانكسي هو طابعها البسيط والثوري الممزوج بنوع من السخرية والتهكم على كل أشكال القمع الاجتماعي. إذ نجده ينقش صور للمشاهير و الفئران والقردة والأطفال الصغار ورجال الشرطة حتى يتوجه برسائله السياسية والاجتماعية. صور صحيح وأنها بدون حروف، ولكنها في نفس الوقت تصرخ بلغة مفهومة في وجه كل من تعترضه بهدف إيقاظ الضمائر النائمة وزعزعة ذلك الإنسان الآلي الذي تقولب بفعل تطورات العصر واستفحال الثورة التكنولوجية، جاعلة منه صنما باردا. فتأتي صور بانكسي لتخترقه بعمق معانيها وقيمها اللامتناهية.

بدأت هذه الأعمال في الظهور للعلن منذ التسعينات، وأخذت تشتهر في سنة 2000 عند إنتقاله للعيش في لندن. من بين أعماله التي اشتهرت نجد رسمته بالقرب من مركز لإيواء اللاجئين في فرنسا  تظهر فيها فتاة ذات ملامح إفريقية تقف فوق كومة من البطانيات ودمية دب، بينما تحاول بطريقتها إزالة علامة الصليب المعقوف. لوحة تركها بانكسي دون شعار في ظلّ تزايد عدد اللاجئين في فرنسا، حيث باتت الخيام مأواهم الوحيد. كما قام أيضا بانكسي بالرسم على جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية في فلسطين سنة 2005 ليجسد موقفه من الصراع العربي مع الكيان الصهيوني الغاصب.

لكلّ منا أسلوبه الخاص الذي ابتدعه لمقاومة الحياة وما يكتنزه هذا العالم المتوحش من مظالم إنسانية، وبانكسي يمكن عدّه من بين الشخصيات الفريدة من نوعها. فبعبوات ضاغطة ذات الألوان المتعددة، إستطاع هذا الرسام البريطاني أن يشدّ إنتباه الجميع مبلغا إياهم مواقفه بأسلوب فني لا غاية له سوى تقريب العمل الفني من العموم عوض حصره في الأماكن المغلقة، وإعادة ضخّ الحياة في شرايين كوكبنا. وهذا ما يمكن أن نسميه بالإبداع للوجود!