تقول الأديبة والمحاضرة والناشطة الأمريكية هيلين كيلر التالي: » الأشياء الأكثر جمالا في هذا العالم لا يمكن أن تراها أو تلمسها، بل يجب أن تشعر بها بقلبك ». ممّا لا شكّ فيه وأنّ عالمنا اليوم وبسبب كل ما يعيشه من مخلّفات الثورات الصناعية والفكرية والاقتصادية التي أحدثها العنصر البشري كوسيلة تفاعلية مع محيطه الاجتماعي والبيئي، رسم من خلالها صيرورته التاريخية، قد أصبح أشدّ قسوة وعنفا ممّا سبق. بحيث انتفت ثنائية الخير والشرّ التي لطالما كتب عنها نيتشه في كتاباته الفلسفية. ليغرق بذلك عالمنا في ظلام حالك هادر للدماء.

ولكن في وسط هذا السواد، هناك من يسعى لإعادة رسم ملامح الأمل على سمائنا وإضاءة نجومها معيدا حياكة يومنا بأسلوب فريد ناصر لحب الحياة. هناك من يعمل على صنع سعادته بنفسه وذلك بفعل النقش على الورق والخطّ في كهوف فكره ما يدور بداخله من عوالم بكل ما أوتي من شبقية الكتابة ونشوة الإبداع ومخاض ولادة الكلمات المندفعة حدّ الإشباع، مثل الكاتبة والأديبة التونسية خولة حسني.

عوض أن نتساءل حول المعنى المفهومي والإبستيمي للكتابة، أجد وأنه من الهام  والوقوف عند الأسباب الدافعة بالمرء حتى يكون شغوفا بالاختلاء بنفسه مع بعض ما تيسر من الموسيقى ومشروبه الساخن ليترجم على الورق أبجديات المعزوفات الموسيقية التي سكنت رأسه وإعتصرة صدره فترقص أفكاره على إيقاعه، و ينسج بين الحروف حكايات إمّا واقعية أو خيالية. فلو نعود لتاريخ أشهر الأدباء وأعظمهم الذين تركوا رصيدا هاما من الكتابات، سنجد وأنّ لكلّ منهم قصته الخاصة و المثيرة مع الكتابة ولكل منهم أسلوبه الذي وضع بواسطته قدره مع الكتابة كفعل كفاح ومقاومة للعدميات المنثورة من حولنا معيدا تلوين العالم الذي بداخله.

 فغراسيا ماركيز مثلا نجده قد إضطرّ لجمع العبوات البلاستيكية من القمامات حتى يستطيع كتابة رواياته، كذلك الحال بالنسبة لنجيب محفوظ الذي اشتغل في وظيفة لا تتماشى وتطلعاته ورغباته بهدف ضمان استمرارية فعله في الكتابة. وفي وقتنا الحالي، ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي نسفت تقريبا الحياة الواقعية وحوّلت المنخرطين في شبكتها إلى موميات منومة مغناطيسيا، مهووسة بالتقليد والتناسخ، قد أصبح من المألوف مشاهدة آلاف مؤلفة من الأفلام المحرّرة وآلاف الفيديوهات لأفراد يسوقون لأنفسهم صورة « المثقف العضوي » -إقتباسا عن غرامشي- أملا في تحقيق الشهرة الزائفة وكسب الاعتراف الاجتماعي له والتي عادة ما تكون منعدمة على أرض الواقع.

لكن وعلى الرغم من ذلك، هناك من يزال محتفظا بذاته المبدعة والخلاقة ويسعى دوما لتطويرها مثل خولة حسني. حيث بدأت « التخربيش » على سطور كراساتها في سنّ مبكرة جدا وذلك في حدود السبع سنوات. فعلى الرغم من عدم شغفها بقراءة الكتب خاصة عند انغماسها في كتابة مولود جديد لها لأن ذلك سيؤثر على حد تعبيرها بشكل سلبي على مردودها الفكري -حيث أوضحت وأنه عند قرائتها لكتاب معين إمّا سيبقى عالقا بذاكرتها نظرا لإعجابها بنفس الكاتب، أو ستكون مشغولة بإصلاحه- إلا أن خولة كانت ولا زالت تكتب بغزارة وبنهم شديد قصصها المستلهمة من نظرتها المختلفة لمحيطها الاجتماعي.

فهي تحبذ أن تكون متحررة دوما في أسلوبها وتفكيرها، تغوص في أعماق كونها وتشكل حكاياتها بقلمها. إذ يعتبر كل فرد موجود على هذه البسيطة مركز إلهام لها، تتغلغل في شخصيته ومكوناتها واختياراتها وأدق تفاصيلها وكيفية تفاعلها مع الأخرين، لتجمعها فيما بعد في قدر من الأفكار الملتهبة مع بقية شخصياتها وتكتب نصوصها المنسوجة من الخيال والمبنية على الإثارة والتشويق. ويعود السبب في ذلك، رغبتها المجنونة في ترجمة المعاني لكل ما يحدث من حولها وسبر أغوار الأنفس وما وراء أفعالها مقتحمة سكونهم الداخلي.

فخولة تنفي أن تكون متأثرة بكاتب أو كاتب محدد، وإنما تعشق السينما وتستلهم منها أسلوبها الكتابي المبني على الإثارة والتشويق مع رذاذ من حبات الحب والطموح، لتحيك بالتالي أقصوصات تجسدها شخصياتها التي تصنعها من وحي خيالها. وهو ما يدفعها للتعريف بنفسها كحكواتية تستلهم كتاباتها من قصص الأفراد وتعيد صياغتها بشكل مختلف.

ما يميز خولة في مسيرتها الكتابية وأنها لا تكتب من أجل حصد أضواء الشهرة، وإنما تكتب لأنها خلقت للكتابة وإرتبط مصيرها وإسمها بها، تكتب من أجل تحقيق ذاتها، تكتب من أجل أن تحيا الحياة التي تريد بعيدا عن النمطيات وتحقق الإبداع حالمة بأن ترى كتاباتها في المستقبل أفلاما سينمائية. فما تسعى لتغييره في المشهد الكتابي، هو الدور الذي يلعبه الكاتب في المجتمع التونسي وصورته في وسائل الإعلام. حيث تعارض بشدّة أن يكون هذا الأخير في برجه العاجي وتلك الصورة النمطية له، وإنما يجب حسب رأيها أن يصبح على قدر من الديناميكية والتواضع قريب من متابعه تاركا فيهم بصمته بشكل إيجابي.

خلال رحلتها مع القلم، كتبت خولة عديد القصص والروايات باللغة الفرنسية سعت من خلالها ترك أثرها في مكان ما في هذا العالم، أن تطبع في قلب قرائها كلمة أو جملة تخلد. روايات حصدت العديد من الجوائز مثل قصتها القصيرة بعنوان « مصير » التي صدرت سنة 2012 و المتحصلة على جائزة في الدورة السادسة والعشرين في نفس السنة. أيضا روايتها الصادرة سنة 2013 بعنوان « في مكانك » وقد تحصلت على جائزة زبيدة بشير. كما أصدرت في السنة الموالية روايتها الثالثة بعنوان « دابدا » والتي فازت بجائزة لجنة التحكيم الخاص في الكومار الذهبي. إلى جانب روايتها « كابوس غواصة الأعماق » الصادرة سنة 2016، وهي الآن بصدد التحضير لمجموعة روائية جديدة من بينها كتاب صوتي يعدّ الأول من نوعه في تونس.

طوال المقابلة، كانت خولة تشدد على مقولتها التالية: » أن تولد فنانا أو لا تولد »، كوصف لعلاقتها الوطيدة التي تجمعها بفعل الكتابة الإبداعية والخيالية. فالكتابة قبل أن تكون للعرض على المواقع الإفتراضية كل ساعة، تعتبر طقسا روحيا يرتدينا ويلتهمنا ليحاصر جيولوجيا أحاسيسنا وتمخضاتنا الفكرية الملتصقة بنا، مضيئة رؤيتنا للحياة. « فلا تحاول أن تكون الشخص الناجح، ولكن حاول أن تكون شخصا ذا قيمة »، هكذا يقول ألبرت أينشتاين.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا