“فان غوخ”: بفرشاتي الملونة حاربت التعاسة التي تلاحقني وصنعت من ألامي لوحات لا تموت!

يقول الرسام الإسباني بابلو بيكاسو “بعض الرسامين يحوّلون الشمس إلى بقعة صفراء، والبعض الأخر يحوّلون البقعة الصفراء إلى شمس”. لكلّ شكل من أشكال الفنون باختلاف تعابيرها و تفرعاتها وقعها الخاص على المنظومة الفكرية والنفسية للفرد. فأن ترسم مثلا يعني أنك قد إخترت أن تعيد ترتيب مفردات ومكونات هذا العالم على النحو الذي صنعته مخيلتك، أن ترقص بريشتك على إيقاع معزوفات الفرح والحزن المعششة بداخلك والتي لا تكفّ عن تسديد الضربات المميتة إلى حين ولادتها على لوحتك البيضاء.

أن تعيد صياغة الأشياء وخلط الألوان بطريقة مجنونة وغير نمطية لم يعتدها الوعي الجمعي، حتى أنه يهابها ويخافها نظرا لصبغتها الثورية على منظومة القيم الجمالية المتوارثة. فعديدون هم الرسامون الذين قاوموا حياتهم السادية محوّلين إياها للوحات مخلّدة عبر التاريخ البشري ومؤسسة لمدارس هامة في فن الرسم. جاعلين من الألم مضخة لهم للتزود بجرعات مكثفة من الأمل والحياة تدفعهم للتحليق عاليا في سماء الإبداع والتفرّد مثل فان غوخ.

“إنني أحلم بالرسم، بعد ذلك أقوم برسم حلمي”، هكذا قال الهولندي فان غوخ المنتمي للمدرسة ما بعد الإنطباعية. وهي حركة فنية ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر امتدادا للانطباعية، حيث تتميّز هذه المدرسة باستخدام الألوان المشرقة والزاهية  إلى جانب تسليطها الضوء على موضوعات مستوحاة من نبض الحياة الواقعية. لكن يعود الفرق بين الحركتين في ميل مدرسة ما بعد الانطباعية لاستخدام الأشكال الهندسية في رسمها للأشياء بشكل متفرّد و متحرر عن الأدبيات القديمة لفعل الرسم الموضوعة من قبل المدرسة الانطباعية. بحيث تصور الواقع بأسلوب رومنطيقي مليء بفيض من الأحاسيس.

تتميّز حياة فان غوخ بالعبثية المطلقة و اللامتناهية لكل جوانبها، حيث اتسمت بعدم الاستقرار العائلي والعاطفي  و حتى العملي ممّا أثر على نفسيته التي كانت حالتها تزداد سوءا يوما بعد يوم. قدر حذف به في حياة ذات ألوان رمادية، ولكن فان غوخ عزم عن الاستسلام لكل تلك الآلام التي تنهش جسده النحيل. مسخّرا في ذلك فرشاته ذات الألوان الجريئة والصارخة الغير معهودة من قبل مثل اللون الأصفر، ليعيد تزين حياته على النحو الذي يريده و يبتغيه. لدرجة وأن سكان قريته في تلك الفترة كانوا ينعتونه بالمجنون والمجرم، مطالبين بحجزه في مستشفى للأمراض العقلية. الجميع طرده ونفر منه، حتى عشيقاته التي طلبت منه إحداهن قطع أذنه من اجلها، لكن الوحيد الذي ظلّ مؤمنا به و بموهبته كان أخاه ثيو.

كان الرسم بالنسبة لفان غوخ بمثابة مهرب له من عدمية العالم المحيط به، ساعده على تحقيق ذاتيته المهمشة على أرض الواقع. حيث لم يتلقى أية تدريبات أو مساعدة في هذا المجال، وإنما كانت عزيمته ورغبته في حذق الرسم هي أبرز قائد له مهتديا بكتاب لتشارلز بارغ بعنوان “Cours de dessin”. وفي مرحلة متقدمة، بدأ فان غوخ يتعرّف شيئا فشيئا على أعمال المدرسة الانطباعية أثناء زيارته لباريس. حيث كانت لوحاتها مادة ملهمة جدا بالنسبة له، خصوصا في طريقة استخدامها للألوان والضوء. فما كان منه إلا أن تبنى أسلوبها الذي طوّره فيما بعد ليجعله حادا وجريئا في رسمه للوحات مخاطبة للروح.

أولى لوحاته كانت سنة 1890، جسّد من خلالها الإحساس بالدفء والحميمية في أجواء أسرية بسيطة دون أن تحمل ملامح أيّ من الأفراد. لوحة تعبّر عن كل المحاولات الفاشلة لهذا الرسام في الارتباط وتكوين صداقات وأسرة، فرسم البيت والحديقة والزوجة والطفلة و ذراعين مفتوحين لتلقي هذا القدر من الحميمية التي يفتقدها قائلا:” لا أريد أن أرسم مجرّد لوحات عاطفية أو جريئة، بل لوحات ينفذ منها ألمي العميق”. إذ أن أعماله لا تهدف للتعبير عن حالته النفسية بقدر ما هي دعوة لإعمال العقل وتعمّق في المعاني الخفية للمحتوى.

كما كان فان غوخ شديد الولع بالليل وما يضفيه على العالم من سكينة وهدوء، وقد برز اهتمامه هذا في رسمه لثلاث لوحات شهيرة وهي على التوالي:”ليلة مليئة بالنجوم”، “ليلة مليئة بالنجوم فوق نهر الرّون” و”شرفة المقهى”. لوحات أعاد من خلالها فان غوخ رسم وتشكيل نواميس الليل الليلكي بشكل مختلف، بحيث تعطي لمشاهدها انطباعا بتحركها باستمرار مقابل سكون الأرض. وهي لوحات لا تزال خالدة إلى اليوم  في متحف نيويورك للفن الحديث.

خلال عشر سنوات، رسم فان غوخ ما يقارب 900 لوحة كانت بمثابة عزائه من محبطات الحياة إذ يقول:” إنني أتعفن مللا لولا ريشتي وألواني هذه أعيد بها خلق الأشياء من جديد”. لكنه في نهاية المطاف، اختار الرحيل ومغادرة هذا العالم بهدوء شديد بعد يوم طويل أمضاه في رسم لوحته الجديدة وسط الغابة تاركا خلفه رسالة لأخيه ثيو يقول فيها:” عزيزي ثيو إلى أين تمضي بي الحياة، … أريد أن أبتكر خطوطا وألوانا جديدة غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كل يوم، كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي… ها أنا أعيد رسمها كما أقدر النار الكامنة فيها … في قلب المأساة ثمة خطوط من البهجة أريد لألواني أن تظهرها … سأغادر نحو الربيع”.

رحل فان غوخ لكن لوحاته جعلت ذكراه متمردة على حقيقة موته، لتنتصر في الأخير ريشته وأفكاره على شبح التعاسة تاركا كجملة تصف النهاية”كلما تقدم بنا العمر، تصبح الأمور أكثر صعوبة، لكن القوة الداخلية للقلب تظل تنمو أثناء محاربة المصاعب”.