مصادقة مجلس نوّاب الشعب على مشروع القانون الأساسي للقضاء على جميع أنواع التمييز العنصري: قبس من الأمل ينير واقع تونس القاتم!

اليوم التاسع من أكتوبر من سنة 2018، تشهد تونس نقطة تحول في تاريخها المشرّف من النضال ضد سالبي الحقوق ومغتصبي الحريات عبر مصادقة مجلس نواب الشعب على القانون الأساسي للقضاء على جميع أنواع التمييز العنصري بنتائج هائلة تتمثل في 125 صوتا بنعم، و5 أصوات محتفظة وصوت وحيد صوّت بلا.

واليوم، تحية لآلاف المناضلين الذين حاربوا عبر سنوات طويلة، بالضغط على الحكومات المتعاقبة، بحملات المناصرة والدعم، بالمبيت في الشوارع، بالتحاف الفضاء وشق مسامع الجهل واللامبالاة بأصواتهم المدوية، نعلن بكل فخر: إنها بداية مشرفة لبناء مجتمع بديل حقيقي تتظافر فيه كل الأطراف من أجل حقوق متساوية وواجبات متساوية. مجتمع بديل للكره، بديل للتعصب، مجتمع هويته تتمثل في قبول الاختلاف وتحقيق التعايش السلمي مهما كانت الظروف ومهما كثرت المبررات.

يجب التنويه بدور المجتمع المدني في مثل هذا الإنجاز، ومن بين أكبر المنظمات المدنية التي نشهد لها بتاريخها الطويل من الكفاح ضد التمييز العنصري، هي جمعية “منامتي”: الجمعية التي أسستها المناضلة والحقوقية سعدية مصباح والتي منحت اسم حلمها لجمعيتها: المنام بأن تصبح لتعيش وسط بلد يحترم الأفراد فيه بعضهم البعض، حلم بأن يحترم الأبيض الأسود والأسود الأبيض. بأن تتعايش فيه الأديان سوية دون إرهاب أو ترهيب، بأن تكون الراية الوحدى هي راية تونس الحمراء التي تعلو فوق كلّ اعتبار.

لقد كان ل”منامتي” دور كبير في الضغط على مجلس نواب الشعب من أجل تمرير هذا القانون بالإضافة إلى العديد والعديد من منظمات المجتمع المدني والناشطون في مجال حقوق الإنسان والحريات الذين ناضلوا طويلا من أجل القضاء على كل أشكال التمييز العنصري.

تونس: بلد ال10 ملايين نسمة ونيف، البلد الذي يحاول أن يصنع التاريخ مرة أخرى، منذ ثورته. على الرغم من تعثره وبطء الإنتقال الديمقراطي الذي يعانيه منذ ما يزيد عن السبع سنوات، إلا أن في هذا الطريق المليء بالأحجار والعثرات، توجد دائما مساحات ممهدة ومنبسطة تجعل للسير معنى، وللنضال جدوى. محطات نقف إليها حينا بعد حينا لنعرف أن لهذا النضال مهما طال ومهما صعب نهاية سعيدة حتما. في نفس الإطار نذكر أن قضية التمييز العنصري كانت دائما ما تُركن على الرف بحجة أن الوقت غير مناسب لإثارتها وأن تونس تشهد مشاكل سياسية واقتصادية أكبر بكثير من إشكال التمييز العنصري. وقد حدث هذا الأمر تحديدا في مجلس النواب منذ قليل من أحد النواب الذي ادعى مرة أخرى أنّ هذه القضية أقل أهمية مقارنة بقضايا أخرى وأن إثارتها ليست إلا وسيلة لزيادة التفرقة بين أطياف الشعب التونسي الذي “لا تنقصه التفرقة” كما قال. وأضاف النائب المذكور بأن “الأفارقة يعيشون في سلام: يأكلون ما نأكله ويشربون ما نشربه ولا ينقصهم شيء…”

نقول على لسان العظيم مارتن لوثر كينغ “إن الوقت دائما مناسب لفعل ماهو مناسب”. ورغم هذا التدخل، مُرر هذا القانون لأن الفاعلين في للمجتمع المدني يؤمنون بأن مجرد استطاعة الأكل والشرب لا يخرلق مواطنا. وأنا المواطنة الفاعلة كي تكون حقيقية يجب أن تُضمن حقوق المواطن كي يُطالب فيما بعد بواجباته تجاه نفسه ثم تجاه وطنه.

اليوم نبارك لا للمجتمع المدني فقط، ولا لكل المظطهدين فقط، بل نبارك لأنفسنا هذا القانون المشرّف الذي لن يكون سوى بداية نحو مستقبل أفضل لجيل اليوم والأجيال التي تليه.

 

سنرى يوما ما مجتمع بديلا لما نحن فيه، سننعم يوما ما يقيمة هذا النضال المستمر الذي يستمر شبابنا وأبناؤنا في التشبث به. سنشهد هذا اليوم وسنقول أنها الثقافة التي نريد. إنها الحياة التي نستحقها.

في النهاية، “يأتي وقت يكون فيه الصمت خيانة”. وأي خيانة أعظم من خيانة المبادئ التي قامت من أجلها الثورة وكتب من أجلها الدستور. أي خيانة أعظم من ترك الاستسلام واليأس والكف عن النضال من أجل إرساء ثقافة حقيقية قائمة على قبول الآخر وحب الوطن مهما كان ومهما حدث. ختاما ننهي كما اعتدنا في كل مرة: “لنا الثقافة كي لا يقتلنا عفن الواقع. لنا الثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة…”

فريق راديوشن

غادة بن صالح