محمد مهدي مستوري : “إذا واصلت الدولة تجاهل الثقافة، لن تكون النتيجة إلاّ اندثارها!”

اتّسمت المؤسسات الثقافية منذ إنشائها بعملها المستمر طوال أيام الأسبوع فيما عدا يوم الإثنين وذلك من أجل توفير الحركية الثقافية اللازمة خاصة في أيام العطل الأسبوعية التي يهرع فيها المواطنون بمختلف طبقاتهم وفئاتهم لممارسة أنشطة مختلفة عن عملهم المرهق ونسق حياتهم المتسارع طيلة الأسبوع.

ولكن فوجئنا منذ أيام بأن المؤسسات الثقافية العمومية في تونس قد قرّرت إغلاق أبوابها يومي السبت والأحد واستئناف العمل يوم الاثنين كأي إدارة عادية.

وفي حوار لنا مع مدير النادي الثقافي الطاهر حداد مهدي مستوري، أخبرنا بأن هذا القرار جاء نتيجة لتطبيق الأمر 17/10 لسنة 2012 الصادر من رئاسة الحكومة والذي ينظّم توقيت الوظيفة العمومية 5 أيام في الأسبوع، ويفرض كيومي راحة يومي السبت والأحد.

يجب التنويه في هذا الإطار أن الموظفين في القطاع الثقافي كانوا يعملون طيلة سنوات بنظام الحصّة المسترسلة بمعنى أنّ المؤسسات الثقافية تظل مفتوحة دائما ويترواح الموظّفون فيما بينهم لتسهيل وتسيير العمل داخلها خاصة وأن أغلب الأنشطة والتظاهرات تجري دائما في يومي العطلة الأسبوعية. ولكن هذا القرار سيؤثر حتما على سير الحياة الثقافية في العاصمة وسينعكس سلبا على الشباب الذي كان يلجأ لمثل هذه المؤسسات لممارسة هواياته المختلفة وتذوق قليل من الفنّ وسط هذا الواقع المعتم.

ويؤكد مهدي حرفيا: “لسنا مع إغلاق المؤسسات في العطلة الأسوعية. لقد اعتدنا العمل على هذا النسق وإحياء الثقافة هو المهمة التي نحيا من أجلها. ولكن إن نظرنا إلى الواقع لوجدنا أن جميع الأطراف غير متعاونة من أجل تسيير السفينة معنا. فمثلا، القانون الأساسي المنظم لعمل هياكل ومؤسسات وإدارات القطاع الثقافي جاهز وملقى في وزارة الثقافة منذ أشهر. ولم يلتفت إليه أحد، ولم يتم استدعاء أي موظف منا لمناقشته من أجل المصادقة عليه وإدخاله حيز النفاذ. أنا مثلا لا أحمل صفة المدير بصفة رسمية. أي مدير في أي مؤسسة يكون له حق التصرف المستقل في تسيير المؤسسة المعنية ولكن النادي الثقافي الطاهر حداد مثلا مازال تابعا للمندوبية الجهوية للثقافة، وليس مستقلا ماليا. وأي نشاط أو فعالية أروم القيام بها، يجب علي أن أتحصل على إذن المندوب الجهي الذي سيصدر أمرا بصرف المبالغ اللاومة لإقامة التظاهرة وهذا يأخذ منا وقتا مهولا بين الهرولة بين أروقة الإدارات والتحصل على الموافقات. كل هذه البيروقراطية تضر بالعمل الثقافي الذي يجب أن يكون عملا راقيا غايته تحسين الذائقة والارتقاء بالعقليات وتقديم منتوج فني حقيقي يٌضاف إلى رصيد البلاد…”

ويضيف مهدي: “إنّ الوزارة معارضة لمطالب التحسين التي لا نفتأ نتقدم بها. والأتعس من هذا أن كل الاهتمام حاليا منصب على مدينة الثقافة وكأنّها المكسب الوحيد للبلاد. في حين أننا ننسى عراقة وأصالة المؤسسات الثقافية الأخرى التي عاصرت أجيالا متعاقبة وساهمت في بناء المشهد الثقافي وخلّدت تاريخا وأثرت مخزونا ثقافيا لبلاد كاملة، مثل بيت الشعر ونادي الطاهر حداد ودار الثقافة ابن رشيق وغيرها. إذا واصلنا في سياسة التجاهل وتضميد الجراح بالرماد فلن ينتج عن هذا سوى اندثار كامل للمؤسسات الثقافية..”

وبالغوص أكثر في هذا الإشكال، يخبرنا مهدي أنه ليس هناك اعتراف بخصوصية القطاع الذي يتضمن ترتيبا خاصا وليس تعاملا رتيبا وأجوف كأي إدارة عادية. ويضيف في نفس هذا السياق: “نظام العمل يجب أن يتغير في القطاع الثقافي. ما يؤسفني حقا أنّ هناك اعتراف من الدولة بوزارة الداخلية والصحة والشباب، وليس هناك اعتراف حتى بضروة توزيع منح خصوصية للموظفين في المؤسسات الثقافية وكأنّ هناك وزارات أهم من وزارات أخرى في حين أنه من المفروض أن جميع الوزارت لها نفس الدرجة من الأهمية في مهمة تحقيق التنمية. يجب هيكلة القطاع والاهتمام بمن يعملون فيه…”

ويستطرد مهدي للتحدث أكثر عن هذا القرار فيضيف: “لقد اعتمدت الدولة منذ عهد بورقيبة تصنيفا للمؤسسات الثقافية فنجد أن هناك ثلاث مؤسسات فقط تحمل الصنف1 في الجمهورية التونسية كاملة ومنها نادينا. وباقي الدور ومنازل الشباب تُصنف تحت الصنف 2 وغالبا تحت الصنف 3 وهو ما يعني تمويل ضيئا وثقافة محبورة على الورق دون تطبيق حقيقي. إن الخور والتخاذل الموجود في القطاع أكبر مما يمكن وصفه. هناك بعض الأمثلة التي لا يُمكن أن تصدق. هل يمكنكم أن تصدقوا أنّ هناك مديرة دار ثقافة تسيّر الدار لوحدها؟ بلا حارس ولا موظف مساعد ولا حتى عاملة تنظيف؟ والحال أتعس كلّما توغلنا أكثر في أعماق تونس. يتحدث صنّاع القرار عن نسف المركزية التي تفترس كل مساواة بين المدن، ولكنهم يضعون في الواجهة مدينة الثقافة ولا يهتمون أصلا لباقي المؤسسات. وحين نهم بالاعتراض يرفعون لافتة الفقر في وجوهنا: لا أموال! لا ميزانية! ووعود تنهال متتالية وتتراكم لتزيد من حالة الحنق والإحباط…”

يُكمل مهدي حديثه قائلا: “هذا القرار بإغلاق المؤسسات الثقافية يومي السبت والأحد هو وسيلة ضغط كي تلتفت سلطة الإشراف للمؤسسات الثقافية. وأؤكد أنّ هذا الإجراء الضاغط ليس من أجل المكاسب المادية، هو مطلب بالاعتراف المعنوي والعمل الذي يجري وسط التجاهل التام من الهياكل المقرّرة. نحن نحتاج إلى الترفيع في الميزانيات. هل تصدقون أن ميزانية النادي الثقافي الطاهر الحداد السنوية في التسعينات كانت 30 ألف دينار. الآن أصبحت 35 ألف دينار: هل ترونه أمرا معقولا أن تقع الزيادة منذ ذلك الحين إلى حد سنة 2018 ب5 ألاف دينار فقط خاصة مع غلاء المعيشة وخاصة مع أسعار معدات الصوت والتصوير والإضاءة وغيرها مما تستلزمه الأنشطة الثقافية. أي نشاط نستطيع فعله في ظل هذه الظروف الخانقة؟

إنّ وزارة الثقافة غير موافقة على قرارنا هذا ولكننا لا نخرق القانون. كل ما نفعله هو تطبيق الأمر 17/10 الذي صدر من رئاسة الحكومة بتنظيم العمل في الوظيفة العمومية. وأحيطكم علما أنّ القرار يطبق في جميع ولايات الجمهورية منذ شهر جويلية باستثناء دور الثقافة بالعاصمة. يريدوننا أن نستمر بالعمل بنظام الحصة المسترسلة والحال أنّ هذا النظام يستوجب هيكلة خاصة للقطاع. ولكنّ هذه الهيكلة ستكلّف الوزارة أموالا وتغييرات في المنح والميزانيات هي في غنى عنها. هي تعتبرنا من موظفي الوظيفة العمومية ولكنّ في نفس الوقت يجب أن لا نطبق نظامها؟ أيّ تناقض هذا؟ يؤلمني حقا ما يحدث، ولا أرغب فعلا في إغلاق النادي ولكنّه قرار ضاغط ويجب أن يُعمّم كي ننقذ مؤسساتنا وننقذ كلّ العمل الذي أنجز وكل ما لم يُنجز…”

ختاما، نحن من نهتم بالثقافة وبكل ما يتعلق بها لا ننعى هذا الإهمال لأننا نتوقعه، ولا نعلن الإستسلام لأننا نرفضه. مهمتنا هي نقل كل ما يجري وكلّ ما سيجري من أجل خلق البديل. البديل الذي لن يكون راسخا وقائما إلا على الفن والثقافة الحقيقيين كما نريدهما أن يكونا، لأن الفن والثقافة هما كلّ ما لنا كي نقاوم عفن الواقع. الفنّ والثقافة هما كلّ ما لنا كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة…”

فريق راديوشن

حاورته: غادة بن صالح