« إننا نحبس المرأة في المطبخ أو المخدع وبعد ذلك ندهش حينما نرى أفقها محدودا، ونقص جناحيها ثم نشكو من أنها لا تجيد التحليق » هذا ما قالته سيمون دو بوفوار منذ عشرات السنين حينما سئلت عن وضعية المرأة. المرأة التي- رغم التطور الهائل الذي يشهده العالم على جميع الأصعدة- مازالت تعاني من إقصاء وعنف مادي ومعنوي يسلط عليها من قبل الأسرة والمجتمع والنظم والقوانين.
حوارنا اليوم مع طالبة باحثة في ماجستير الحوكمة الأمنية وحقوق الإنسان. مغربية الأصل والمنشأ، مناضلة ومدافعة عن جقوق النساء ومنسقة مشروع « سمعي صوتك » لمحاربة العنف ضد النساء.
هي خديجة خفيض ذات ال26 عاما والتي تتحدث عن مبادرتها فتقول: « مبادرة سمعي صوتك هي مبادرة مجتمعية تنفذها جمعية المجتمع التمكيني للشباب بيتفلت بدعم من المعهد الجمهوري الدولي وتمويل الصندوق الوطني للديموقراطية الأمريكي والمؤسسة الاورومتوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان.
هدفها العام تشجيع النساء على التبليغ والترافع ضد العنف وذلك عن طريق تقوية قدراتهن في مجال الترافع وآلياته والتوعية القانونية وآليات الإنتاج الإعلامي المتعدد الوسائط المستلهم من تجارب واقعية لنساء معنفات… »
تستأنف خديجة التحدث عن نشاطها فتقول: « أشرف على تأطير المشاركات في مجال استراتيجيات الترافع من خلال تعريفهن بآليات حماية النساء من العنف دوليا؛ والأمر يتعلق هنا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية..اتفاقية سيداو وإعلان الأمم المتحدة لمحاربة العنف ضد النساء.. ثم القوانين والتشريعات الوطنية كمدونة الأسرة المغربية وقانون محاربة العنف ضد النساء الجديد 103.13. من الجيد أن يكون لدينا قوانين تحمي حقوق النساء ولكن الجيد أكثر أن يقع تفسير هذه القوانين وإبلاغها لأكبر فئة ممكنة من النساء كي تعرفن كيف تدافعن عن حقوقهن ولا تسكتن للعنف االمسلط عليهن. بالإضافة إلى أن الاعتقاد السائد بأن القانون لا يفهمه سوى أهل القانون هو معتقد خاطئ. يجب على جميع المواطنين رجالا ونساء أن يتمكنوا من معرفة القانون والإلمام بحقوقهم وواجباتهم، إذ أنّ هذه المعرفة هي الأداة التي تحقق لهم العدالة المرجوة وتحميهم في حالة الظلم والاضطهاد… »
تكمل خديجة حديثها عن بلدها المغرب، فستفيض في وصف وضعية المرأة وتقول : » عن وضعية حقوق المرأة في المغرب يمكنني أن أقول أن المغرب راكم تجربة متميزة على مستوى النهوض بوضعية وحقوق النساء وتكريس المساواة بين الجنسين وذلك من خلال مسار دشنه المغرب منذ عقود انطلق بتمكين النساء من ولوج عدد من الوظائف التي كانت حكرا على الرجال كالجيش والشرطة وتمكينهن من المشاركة السياسية من خلال اعتماد نظام الكوطا في البرلمان.
هذا المسار رسخه انضمام المغرب لاتفاقية سيداو ورفعه لكل التحفظات عن بنود هذه الإتفاقية إضافة إلى إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين في الفصل 19 من الدستور المغربي وإنشاء هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز ومنحها صفة هيئة دستورية إلى جانب إصدار قانون محاربة العنف ضد النساء… »
تواصل حديجة في نفس السياق فتقول: « كل هذه الآليات التشريعية والمؤسساتية تستحق أن نثمنها ونقف عندها إلا أني أرى أنه على الرغم من كل ذلك لا يمكننا الاكتفاء بها لمجموعة من الأسباب؛ فنحن بحاجة إلى خلق توعية مجتمعية تكسر الهوة بين النص والممارسات السائدة وخير مثال على ذلك أرقام ونسب زواج القاصرات في المغرب مع العلم أن المشرع المغربي حدد سن الزواج في 18 سنة إلا أنه منح سلطة تقديرية للقاضي تمكنه من تزويج القاصر بناءا على خبرة
كما أننا كجمعيات نطالب بالمزيد من الإصلاحات المتمثلة في تعديل بعض القوانين وتفعيل بعضها… »
تُردف خديجة متحدثة عن تجربتها الشخصية في مجال الدفاع عن حقوق المرأة فتقول: « دخلت مجال الدفاع عن حقوق المرأة لاهتمامي بهذا الموضوع بشكل شخصي ولايماني بدور الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في خلق التغيير على مستوى وضعية النساء. والتغيير الذي أسعى إلى إحداثه هو تبسيط المعلومة القانونية وايصالها لأكبر عدد من نساء وبنات بلدي حتى يصبحن قادرات على الترافع من أجل حماية حقوقهن. القانون هو أداة ممتازة للدفاع ولكنه يمكن أن يكون سلاحا مهما أيضا للهجوم. وفي واقع مثل واقعنا اليوم، من المهم أن ندافع عن حقوق المرأة، لكن من المهم أيضا أن نهاجم الانتهاك ضد هذه الحقوق. فاجتثاث الداء هو نصف الدواء، وإن أردنا رؤية مجتمعات سليمة ومتوازنة في المستقبل علينا أن نبدأ بإرساء منظومة حقيقية من الحقوق والواجبات التي تقوم على مبدأ المساواة الحقيقية لا مجرد الادعاء بوجودها… »
ختاما، إن المجتمع الإيجابي الذي نود خلقه سيكون قائما على شباب وشابات آمنوا بالحقوق وناضلوا في سبيل ترسيخها. وقضية الدفاع عن حقوق المرأة هي قضية راسخة في القدم إلا أنها باقية ما بقي الظلم والانتهاك. قضية لن تُحل مادامت العقليات غارقة في ظلام الجهل والتحجر والمعتقدات السائدة المغلوطة، معتقدات وجهل وتحجر لن ينمحي إلا بثقافة البحث والمعرفة واحترام الآخر المختلف مهما كانت درجة اختلافه لنقول كما اعتدنا في كل مرة: « لنا الثقافة كي لا يقتلنا عفن الواقع. لنا الثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة… »
فريق راديوشن
غادة بن صالح

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا