« العبيد فقط يطلبون الحرية، الأحرار يصنعونها »، هكذا يقول نيلسون مانديلا. بين إتخاذ موقع الركون والمطالبة بالتمتع بشيء معين، وبين النهوض والمنازعة من أجل إبتداعه وصنعه وخلقه هناك فرق شاسع. إذ ليس من يتذوق طعم الحرية الذي يقدم له على طبق من ذهب، كمن يتلذذ نشوة التحصل عليها بعد إنتهاء حرب شنيعة، والاحتفال بإنتصار استقلال أرض الوطن وجعل علمه يرفرف عاليا بكل شموخ.

اليوم، نحن نقف عند عتبة السنة الثالثة والستين من إستقلال تونس، وهو حدث وطني تنتفض له الذاكرة الشعبية بزخم من المشاعر في كل مناسبة نظرا لرمزيته وما يحمل في جعبته من معاني مهمة، لما ينطوي عليه من قيم سامية وغايات نبيلة لإذكاء التعبئة الشاملة وزرع روح المواطنة المسؤولة والتوّاقة لبناء الركائز الأساسية لمجتمع أفضل، تنعم فيه الأجيال المستقبلية بواقع أقل قساوة ممّا نعيشه اليوم، المجتمع الإيجابي.

وعليه، لن يكون هذا المقال مجرّد تهليل وتمجيد بعيد الإستقلال -وليس في ذلك انتقاص من أهمية هذا الحدث الجلل- لأننا نؤمن وأن الاستقلال أبعد ما يكون عن الإحتفال، وإنما هو مسؤولية ومن الضروري التصعيد في وتيرة العمل من أجل التغيير، التغيير الثقافي. 

يعدّ الإستقلال من أبرز المحطات التاريخية الهامة والمميزة التي مرّ بها المجتمع التونسي إلى جانب الانتفاضات الشعبية، إذ نستقرئ من خلال  تاريخ 20 مارس 1956 جلّ الملاحم الوطنية التي سقت تراب وطننا بدماء شهدائه من أجل تحريره. هو تاريخ يجسد لحظة بزوغ الفجر على ربوع أرضنا بعد ليل طويل حالك في الظلمة، تاريخ  الانعتاق من الحماية الفرنسية والتحرّر من جيش العدو المغتصب لثرواتنا وكتب له أبو قاسم الشابي قصيدته إرادة الحياة قائلا  » إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ للقيد أن ينكسر، ولا بدّ لليل أن ينجلي، ولا بدّ للقيد أن ينكسر ».

اليوم، وبعد مرور ما يقارب ثلاثة وستون سنة شهد خلالها المجتمع التونسي العديد من الهزات الاجتماعية ودورات التغيير مزعزعة نظامه السياسي والثقافي والاقتصادي -وهو يعدّ بالأمر الطبيعي نظرا وأن المجتمع ذو طبيعة ديناميكية غير ثابتة-، أدت إلى ولادته من جديد ضمن سياقات وشروط مجتمعية جديدة. بات من الهام التساؤل حول راهنية استقلاليتنا، فهل نحن حقا مستقلون؟ هل نحن على وعي بهذه اللحظة التاريخية؟ أم تعودنا على ثقافة الاحتفال؟

يفيد مفهوم الإستقلال سوسيولوجيا معنى السيادة وحرية تقرير المصير والإرادة والقدرة على التحكم في الشؤون الداخلية والخارجية للدولة وتدبرها دون أية ضغوط أو إملاءات، بما يخدم مصلحة الشعب  وضمان ممارسته لمواطنته في كنف الديمقراطية. لكننا إذا ما عدنا إلى كتابات المفكر الجزائري مالك بن نبي حول الديمقراطية نجده يقول التالي »: لا يمكن أن تتحدّد الديمقراطية كفعل سياسي حيث الحكم للشعب، إن لم تكن راسخة في الفرد إبتداءا على مستوى الأنا عند ذلك الفرد، كما لا يمكن أن تتحقق إن لم تكن موجودة في المجتمع كمجموعة من الاتفاقات والعادات والأعراف والتقاليد »، وهو ما يعني أن « الشعور بالديمقراطية ليس ملازما لكل الظروف الأخلاقية والاجتماعية، إنها نتيجة لثقافة وتتويج لروح إنسانية بمعنى إنها نتيجة لتقييم الإنسان على المستوى الشخصي وعلى المستوى الآخرين ».

هو ما يجعلنا نقف عن مشروعية الإستقلال، إذ عادة ما تكون الشرعية للغالب -الممثلة في السلطة- والمشروعية للحالم -الشعب-، ذلك أن المتمعن في خلفيات الاستقلال التونسي يجده مشروع يؤذن بمجرد إيقاف الحرب الدموية ويعلنها في شكل آخر مختلف، أبشع وأخطر آلا وهي الحرب الثقافية. فلك أن تفكر في كيفية احتلال الآخر لبرامجك التعليمية وسياساتك الثقافية والسياسية، بحيث يصبح شعبك متحدثا للغته، وتصبح مؤسساتك منتظمة لنظامه الاقتصادي وتقبل فرضا هباته وتوقع على اتفاقات لا تخدم شأنك العام وتزيد في شرخه وتأزيمه. وكأنك تحكم على دولتك بأن تكون في المركز الأول في تنمية التخلف بحسب وصف سمير أمين في كتابه  » تنمية التخلف العربي ».

مجتمع مستهلك لا منتج، مورد لا مصدر، مجتمع غير قادر على التخلص من جلباب الوصاية الخارجية. وهو ما أقره تشومسكي حين بين وأن مفهوم الاستقلال ليس إلا مجرّد كذبة وحيلة انطلت على الشعوب العربية. إذ ليس من مصلحة أنظمة القوى العالمية أن تخلق شعوبا متحررة وواعية بمصيرها، لكن هذا الوضع المقيت لا يمكن له أن يطول، فمثل ما إنتفض الشعب التونسي سابقا مرّات ومرّات من أجل الظفر بالحرية، لا بد للقيد أن ينكسر بواسطة إرادة كل نفس حرّ طامح لبناء وصنع التغيير. 

إنّ مجرّد الهمس بلفظة الاستقلال، لأمر تقشعرّ له الأبدان، إنه تاريخ نقرأه في عيون أجدادنا ونصغي إلى إيقاعاته من وقع حركة الشارع التونسي وجدرانه الشاهدة على جلّ تفاصيله وأحداثه. فيظلّ محفورا في قلوبنا الثائرة ضدّ كل مستعمر ومهيمن وعدو للحرية وللحياة. فنحن نكتب هذا المقال لا لنحتفل او نهلّل بعيد ينسى مع انقضاء ساعات اليوم، وإنما نكتبه لنذكّر بتاريخ أجيال قضت أحبّت الوطن فماتت من أجل أن تظلّ رايته مرفوعة شامخة بين البلدان » فإن عشت فعش حرّا، أو مت كالأشجار وقوفا »، يقول سميح شقير.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا