مهرجان موجودين للأفلام الكويرية: نحن نحيا هنا عبر الفنّ!

“السلطة ليست مؤسسة، وليست ببنية، كما أنها ليست قوة أكيدة، فنحن نتوهم ذلك، وإنما هي ذات تتسم لحالة استراتيجية معقدة في مجتمع معين”، هكذا يقول ميشال فوكو. يلعب الوعي الجمعي دورا هاما في تنشئة الفرد بحسب العرف الاجتماعي، فأن تعيش حياتك الجنسية وفقا لتعاليمك الخاصة بشكل يخرج عن المألوف المجتمعي، فذلك يجعلك عرضة للوصم الاجتماعي وللعقوبات تصل إلى حدّ الزجّ بك في السجن. فماذا إذن لو كنت حمّالا لميولات جنسية مختلفة؟

تأكيدا على الحق في التنوع والاختلاف وكسر التابوهات المتعلقة بالمعايير الجندرية، تنظم جمعية موجودين الدورة الثانية من مهرجان موجودين للأفلام الكويرية، أوّل مهرجان في العالم العربي والشرق الأوسط يتناول قضايا حساسة ومسكوت عنها، على رأسها حقوق المثليين والمثليات ومجتمع الميم. حيث سيمتد هذا المهرجان من 22 إلى 25  مارس 2019 ضمن فضاءات مُأمنة.

وحتى نتحدث عن موضوع الجنس، هذا التابوه المحرم في سياق مجتمعنا التونسي، لابد من العودة جزاما إلى أعمال ميشال فوكو حول تاريخ الجنسانية. حيث أكد على فكرة رئيسية مفادها وأن حرية الضمير تستلزم مخاطرة أكثر من السلطة والاستبداد، مؤكدا على ضرورة أن نفهم أجسادنا بوصفها نمطا من التجربة القائمة على المعرفة والتغيير للذات بشكل فردي من أجل الإمساك بالخيط الناظم للعلاقات التي تجري بين الصفح عن الشرّ والكشف عن الحق واكتشاف النفس بحسب تعبيره. فبحسب فوكو، وعلى الرغم ممّا تعيشه البشرية من تطورات، إلا أن مجتمعاتنا الحديثة لا تزال تحتكم إلى ضمير جمعي أبوي يصنف الفاعلين الاجتماعيين بحسب الجنس والتي على ضوئها تتوزع الأدوار وتتحدد المكانات الاجتماعية للأفراد.

لا تزال جمعية موجودين حديثة الولادة، ولادة جاءت كردة فعل لما تراكم من قضايا عنف وإجرام وحقد تجاه المنتمين لمجتمع الميم – ذوي الميول الجنسية المثلية، المزدوجة، والمتحولة، و المتسائلين عن ميولهم-. ولادة تفي بأن موعد التغيير العقلي بواسطة الفعل الفني والثقافي قد حان، وأنه لا بد من إرساء مجتمع متسامح، مجتمع لا عنف قائم على مبدأ قبول الآخر واحترامه دون التقليل من شأنه.

ولعل هذا ما يمكن أن نستقرئه من خلال مهرجان موجودين للأفلام الكويرية، حيث بيّن لنا علي بوسالم وأن هذه التظاهرة الثقافية قد نشأت من خضم “سينما كلوب موجودين” ضمن ثقافة نضالية بديلة تعكس الإرادة الشبابية للوجود والتعبير لا فقط من خلال المحاضرات والملتقيات الفكرية و إنما أيضا بواسطة مقاربة فنية لمجموعة من الأفلام المغربية والشرق أوسطية والافريقية تتحدى بأسلوب جريء الفكر السائد كسلط للمعايير الجندرية والجنسانية الطاغية المضطهدة للحق الإنساني في التنوع والاختلاف والحريات الجسدية، مسلطة الضوء على جملة من المفاهيم الأساسية التي لا تزال إلى حد الآن ضبابية وخاطئة في اللاوعي الجمعي. ما يميز الدورة الحالية عن سابقتها، هو حذف الجانبي المتسابقاتي من التظاهرة إيمانا بكون جميع المنتجات السينيمائية هي منتجات فنية تحمل كل منها رسالة إنسانية محرابة لرهاب المثلية.

لذلك ستكون الدورة الثانية، دورة تتميز بحسّ فني عالي يشجع على التضامن و تبادل الأفكار وتنوع الثقافات بين الفنانين/ات والضيوف/ات والذين قدموا من بلدان اوروبية مختلفة إلى جانب بلدان الجنوب. دورة ذات مشروع طموح يحتفي بالكويرية ، يكسر التابوهات ويمجد ثقافة بلدان الجنوب من أجل إرساء سبل العيش المشترك ضمن مجتمع إنساني  تزين سمائه ألوان قوس قزح -وهو ما يرمز إليه علم مجتمع الميم-. وهو ما تمّ ترجمته ضمن المعلقة الرسمية للمهرجان، والتي نجدها تقوم على فلسفة خاصة ترمز إلى القوة الجبارة المتواجدة في عمق كل شخص وجب عليه إكتشافها. هذه القوة المتمثلة في المقدرة على حبّ الذات وتقديسها وتطويرها وتنميتها مهما كانت تحمله من إختلافات.

في الدورة الحالية لمهرجان مجودين للأفلام الكويرية التي ستمتد من يوم 22 مارس إلى يوم 25 مارس، تمّت برمجة 30 فيلم و 7 عروض فنية مثل الرقص والمسرح والموسيقى، إلى جانب 4 ندوات تتناول مواضيع الهوية الجندرية والتعبير الجندري والميولات والخصائص الجنسية. و من بين الأفلام التي سيتم عرضها نجد مثلا “Birds of paradise” ، وهو فيلم هندي قصير يروي قصة 3 متحولين جنسيا بصدد محاربة الخطاب الأخلاقي لمجتمعهم.

يعدّ بناء مجتمع إيجابي قائم على مبادئ الإنسانية تقدس روح الإختلاف وحب الآخر وتقبله دون كراهية أو عنف ليس بالأمر الهين، يتطلب روحا عنيدة ونفس حرّة وصامدة من أجل مجابهة أصوات الظلام، أعداء الحياة. فمهما كان حجم فعلك بسيطا، فإعلم وأن أثرها سيكون بفعل الزمن ذو إيقاع أقوى وأقوى يزعزع سكون المحيط  موقظا للأرواح التواقة للتغيير، إذ أن “المعنى الحقيقي للحياة هو أن تزرع أشجارا لا تتوقع أن تجلس تحت ظلها”، يقول نيلسون هندرسون.