يقول المخرج والموسيقي المكسيكي روبرت رودريغز « لا تجعل أحدا يخبرك أن هذا الأمر مستحيل، كل المشاكل لها حلول ». لقد كانت السينما من هذا المنطلق فن صناعة المستحيل. أن تعيد تصوير الواقع بطريقة مغايرة، ثم تعرضه على آلاف المشاهدين، أن تعيد تشكيل وعيهم وأحاسيسهم من جديد، أن تصنع مفاهيم جديدة. إنه المستحيل الرائع الذي لا حياة دونه ولا طعم يُذكر في غيابه.

وإذا كانت السينما في بلد مستقل يمكن أن توصف بهذا الوصف فكيف إذا في الأراضي المحتلة فلسطين؟ أي معنى للسينما يكون على تلك الأرض الطيبة التي رغم جرحها النازف مازالت تستمر في كتابة التاريخ؟

ربما من هذا المنطلق، بدأ مهرجان حيفا للسينما المستقلة، وفي إطار تغطيتنا للمهرجانات التي تحتفي بالفن المستقل والثقافة البديلة، كان لنا حوار مع المكلفة بشؤون الإعلام للمهرجان السيدة رشا حلوة التي استفاضت تحدثنا عن المهرجان وحيثياته بكل تفاصيله.

بدأنا أولا بسؤال عن المنظمة أو الهيئة التي نظمت هذا المهرجان، فأجابتنا رشا: « نحن مجموعة من الأفراد المنخرطين/ات في المشهد الثقافي الفلسطينيّ في حيفا، نعمل في مجالات وحقول متنوعة في الفنّ والثقافة. تشمل المجموعة العديد من السينمائيّين/ات والفنانين/ات، أصحاب أماكن ثقافية، عاملين/ات وناشطين/ات في الحقل الثقافي، صحافيّين/ات وبالتأكيد ناشطين/ات في الحقل السينمائيّ بكافة حقوله. وقد تأسس المهرجان في العام 2016، وانطلق بدورته الأولى آنذاك، ودورة مهرجان هذا العام هي الرابعة على التوالي… »

وفيما يتعلق بالفكرة الأساسية من وراء المهرجان، أخبرتنا رشا: « منذ تأسيس مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام، عمل الطّاقم على أنّ يكون المهرجان هيئة مستقلة تقدّم عروض لأفلام جديدة من فلسطين والعالم العربيّ والعالم، لمخرجين/ات محترفين/ات وكذلك صاعدين/ات. كما ويطمح المهرجان لأن يواكب التّطور الحاصل على المشهد السّينمائيّ في العالم عمومًا، وإلى المساهمة في مشهد صناعة السّينما في فلسطين والمنطقة العربيّة.

منذ دورته الأولى في العام 2016، نجح المهرجان في وضع بصمة في المشهد الثقافيّ عامّة والسينمائيّ الفلسطينيّ والعربيّ، وفي حيفا على وجه الخصوص، متجسدًا بالإقبال الجماهيريّ على عروض أفلامه ونشاطاته الفنيّة المتنوعة، حيث عمل ويعمل المهرجان دومًا على إحضار مجموعة كبيرة من الأفلام الفلسطينيّة، العربيّة والعالميّة وإتاحتها للجمهور الفلسطينيّ في الدّاخل، من كافة البلاد والأجيال والفئات المجتمعيّة، كما وجذب مئات العاملين/ات  والمهتمين/ات في القطاع السّينمائيّ والثقافة عمومًا، كما ولفت انتباه جهات سينمائيّة عديدة في المنطقة العربيّة والعالم، كما الاهتمام الإعلاميّ المتواصل به… »

وحول سبب اختيار اسم مدينة حيفا اسما لهذا المهرجان، استطردت رشا لتقول: « لأن المهرجان انطلق ويُقام في حيفا سنويًا. وحيفا هي مدينة تعيش حراكًا ثقافياً فلسطينيًا مهمًا على كافة الأصعدة وفي فضاءات ثقافية وفنية عديدة للمدينة، وتستقطب جمهورًا متنوعًا من كل أنحاء البلاد، أي من يتكمن بوصولها في الظرف السياسي المتواصل الذي تعيشه فلسطين. وبالتالي، التزم طاقم المهرجان بإعادة الاعتبار إلى حيفا المدينة في المشهد السّينمائيّ العربيّ، كجزء أساسيّ منه، كاسرًا الحدود التي فُرضت على المكان وناسه، وذلك بلا تمويل مؤسّساتيّ أو حكوميّ، وبلا بيروقراطيّة أو رقابة أو إملاءات من أحد… »

امتد الحوار بعد ذلك ليتطرق إلى وضعية السينما المستقلة في فلسطين، فحدثتنا رشا حول هذا الموضوع كما يلي: « بداية تجدر الاشارة الى اختلاف وضعية السينما المستقلة في فلسطين كوطن مقسم تحت الاحتلال وتحت نفوذ سلطات مختلفة، بدايات  السينما المستقلة عالميا أتت كي تجابه شركات الإنتاج الكبرى التي وضعت شكلا وشروطا للفيلم الجماهيري، بدورها أتت السينما المستقلة لتقترح طرق إنتاج مختلفة ومنعتقة عن متطلّبات السوق. في التجربة الفلسطينية تكمن أهمية استقلال الإنتاج في تحرّرها من التمويل الإسرائيليّ، ونحن مدركين أنّه من الصعب إنتاج أفلام دون صناديق دعم، لذا تبقى إشكالية في تعريف استقلالية السينما وفقا لمصادر تمويلها، إلّا أنّ هنالك تجارب طليعية في السرديات التي تتناولها، وتتميّز بقدرتها على صنع أفلام ذات جماليات سينمائية بما في ذلك أفلام أولى لمخرجين ولطلاب كلّيات السينما… »

وحول أهم الانتاجات الجديدة التي سيتم عرضها لأول مرة في هذا المهرجان، أخبرتنا رشا: « على مدار سبعة أيام، وحتى 26 من الشهر الجاري، سيعيد مهرجان حيفا المستقلّ للأفلام اكتشاف التاريخ الفلسطينيّ من خلال الأرشيف السينمائيّ، عبر عرض أفلام عن الثورة الفلسطينيّة والأرشيف الفلسطينيّ، كما ورش عمل، دروس الخبراء ومعرض فنّي، كأهمية لربط حيفا والحاضر بتاريخ المكان، وإعادة تشبيك الجمهور مع تاريخه الجمعيّ ومواصلة النضال ضد محاولات طمس هذا التاريخ وهويّة ناسه الذي يمارسه الاستعمار منذ نكبة العام 1948.

من فلسطين، ستُعرض مجموعة من الأفلام، منها؛ « ناطرين فرج الله » لنضال بدارنة، « حبّ بري » لجمانة منّاع، « على عتبة الدار » لساهرة درباس، فيلم « it’s a long way from amphioxus » لكمال الجعفري، فيلم « لقد وقعت على عريضة » لمهدي فليفل، فيلم « رحلة في الرحيل » لهند شوفاني.

كما أن دورة هذا العام تُسلط الضوء على سوريا والجزائر ولبنان، من خلال عروض أفلام عديدة، روائيّة وتسجيليّة، منها؛ فيلم « عن الآباء والأبناء » للمخرج طلال دركي، الذي كان مرشحًا  للأوسكار 2019، فيلم « العبور » لجورج كوريان، فيلم « لكل جرح عالم » لدالية كوري، « حصار » لوسيم صفدي. وهي أفلام تُسلط الضوء على الواقع السوري في هذه المرحلة، سواء تحت حكم النظام و/أو الحركات الجهادية، اللجوء وكذلك الحياة في الجولان السوري المحتّل.

وفي الأيام التي تمرّ الجزائر بحراك شعبي، اختار المهرجان عرض أفلامًا تحكي السردية الجزائرية التاريخيّة والمعاصرة أيضًا. من الأفلام المشاركة هي « في رأسي رون بوا » لحسين فرهاني، فيلم « vote off » لفيصل هامون، وغيرها من الأفلام التي جميعها توفّر مساحة معلوماتيّة، مسليّة، مؤثرة ومضحكة وتعبّر عن الجيل الجديد من السينمائيّين/ات الجزائريّين/ات.

ومن لبنان، ستُعرض مجموعة من الأفلام المليئة بحسّ الفكاهة المعدي، التي تعرض بأساليبها الخاصّة، فيها من التهكميّة والسخريّة، واقع لبنان اليوم، تُدمج بنظرة ثاقبة ونقديّة على ماضي لبنان وحاضره. من هذه الأفلام؛ « إحساس أعظم من الحبّ » لماري جيرمانوس سابا، وفيلم « آخر أيام رجل الغد » لفادي باقي.

بالإضافة إلى مصر، حيث يعرض المهرجان مجموعة من الأفلام الجديدة، منها؛ فيلم « ليل خارجي » لأحمد عبد الله، « بلاش تبوسني » لأحمد عامر، « يوم الدين » لأبو بكر شوقي.

في النهاية، وإن احتلت الأوطان فلن تحتل الإرادة. الإرادة باقية ما بقي الإنسان حيا وقادرا على الحركة والتفكير والإبداع. ووحده الفن ووحدها الثقافة هي من تحررنا من أشد الأصفاد ثقلا وألما. يبقى الأمل محركا دائما لكل شباب فلسطين وشباب الوطن العربي أن يحضروا مثل هذا المهرجان على أرض فلسطين الحرة. ونختم كما اعتدنا في كل مرة: « لنا الفن والثقافة كي لا يقتلنا عفن الواقع، لنا الفن والثقافة كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة… »

فريق راديوشن

غادة بن صالح

الموقع الإلكتروني لمهرجان حيفا المستقلّ للأفلام: https://www.haifaiff.com

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا