انتحار نضال غريبي: لم يُصب الحياة فاختار الموت!

يقول أب العدمية إميل سوران: “لا أحيا إلاّ لأنّ في وسعي الموت متى شئت. لولا فكرة الانتحار لقتلت نفسي منذ البداية”. ولأنه كان يؤمن بأنه لن يموت إلا بعد أن يترك إرثا فكريا جديرا بالإنسانية، من أجل ذلك لم ينتحر بل ظل حيا يكتب ويشتم ما يراه غير صالح في العالم وينتج إلى أن مات بمرض الزهايمر.

الشخصية التي اخترنا أن نحادثها اليوم، هي شخصية اختارت الانتحار شنقا منذ سنة بالضبط. في يوم 27 مارس من سنة 2018، زُلزلت صفحة الفايسبوك على وقع انتحار نضال غريبي المدون والشاعر التونسي الذي كان معروفا بكتاباته الثورية وحبه للحياة والتصوير والأمل. انتحر على الساعة الرابعة بعد الظهر تاركا رسالة لكل من عرفه بأن لا يفعلوا مثله، وكأنهم يعزيهم قبل وفاته عما سيحسونه بعدها.

أنا الآن لا شيء، تفصلني خطوة عن اللاشيء، أو فلنقل قفزة، غريب أمر الموت ما أبخس ثمنه، دينار ونصف الدينار ثمن الحبل، وبعض السجائر، غريب أمر الحقيقة ما أبخسها ثمنها لكننا لا نرى، نملأ أبصارنا وبصائرنا دومًا بالأوهام، حتى تصير الحقيقة تفاصيل لا نراها .. نحن لا نرى غير ما نريد رؤيته، لا نرى من الأخضر غير يابسه حتّى تختلط علينا الألوان، ومفاهيمها، شأننا شأن أحبّتي، الذين رغم تواضعي يظنّون أنّني عيسى، فإذا ما صدّقوا ما ادّعوا، اختلط عليهم الأمر، فراحوا لا يفرقون بين القلب والمعصم، وصارت أوتادهم تنهمل على صدري كسهام الوغى..
غريب أمرهم، بل غريب أمركم جميعًا اذ تظنُّون بموتي أنّني أناني، لكنني في الحقيقة أبعد ما يمكن عن الأنانية، دققوا في التفاصيل، لو كنت كما تدّعون لكنت التهمت ما استطعت من أدوية أمي المريضة ورحلت، لكنني أعلم على يقين أنّ عائلتي المسكينة ستنصرف إلى مراسم دفني وقبول التعازي، وسينسون بالتأكيد أن يشتروا لها دواء بدل الذي دفن في معدتي، لكنني لم أفعل، لو كنت بالأنانية التي تدّعون، لكنت رميت بنفسي أمام سيارة على عجل، أو من فوق بناية عالية، لكن، حرصا مني أن لا تتلف أعضائي، التي أوصي بالتبرع بما صلح منها، لم أفعل ..
سادتي، أحبّتي، عائلتي المضيّقة والموسّعة، أوصيكم بأنفسكم خيرا، وبأولادكم حبّا .. أحبّوهم لأنفسهم، لا تحبّوهم لتواصل أنفسكم فيهم، اختاروا لهم من الأسماء أعظمها وأرقاها، وكونوا شديدي الحرص في ذلك .. فالمرء سادتي رهين لاسمه، شأني، أمضيت عقودي الثلاثة بين نضال وضلالة وغربة .. علّموا أطفالكم أنّ الحبّ ليس بحرام، وأنّ الفنّ ليس بميوعة، لا تستثمروا من أجلهم، بل استثمروا فيهم، علموهم حب الموسيقى والكتب ..
السّاعة الآن الرابعة بعد الظهر، من السابع والعشرون من مارس سبعة عشر وألفين، أفارقكم عن سن تناهز أسبوعان وأربع أشهر واثنان وثلاثون سنة ..
أحبكم جميعا دون استثناء، وأخص بالذكر هيرا، تلك العشرينية إيناس، تلك البريئة التي شيطنتها الحياة وحبي ..
آسف من الجميع…”

هذا النص الذي ألهب مشاعر الجميع وجعل لنضال شعبية أكبر مما كانت له في حياته، اعترضني شخصيا وهممت بالكتابة حوله ولكنّي عدلت في آخر لحظة. لم يكن عادلا في حق هذا الشاب الراحل أن أكتب شيئا سيذهب أدراج الريح في خضم الدوامة الفايسبوكية التي أحاطت برحيله.

اليوم بعد سنة، بعد أن أصبح نضال ذكرى وأصبح للجميع دوامات أخرى يغرقون فيها ليبدوا آرائهم وملاحظتهم ويقتلوا أيامهم في وهم العيش دون الحياة، والوهم دون الحقيقة. آن لي أن أكتب من أجله شيئا علّ هذه الكلمات تنقذ نضالا آخر من الذهاب بلا رجعة وبلا سدى.

يقول جورج برنارد شو: “الانتحار هو الوسيلة التي تجعل الإنسان مشهورا دون أن يمتلك قدرات”. وعلّ ذلك يفسر ظاهرة الانتحار التي انتشرت إلى حد ما بين صفوف المراهقين الذين كانوا يظنون أن الانتحار هو موضة يجب اتباعها فتجد عديدين ممن انتحروا في عمر صغير كانوا يظنون أن تجربة الانتحار لعبة، لعبة لم يتفطنوا إلى خطورتها إلا بعد أن فات الأوان بكثير.

سنويا هناك ما يقارب 800 ألف شخص يفضلون الإنتحار على مواصلة الحياة، وهو ما يجعل الانتحار من أكثر الأسباب انتشارا للموت. ولكن أعظم الأشخاص الذين انتحروا، انتحروا بعد أن تركوا شيئا للعالم يتذكرهم به، تركوا إبداعا متأصلا. مارلين مونرو مثلا بعد أن دوخت العالم بجمالها وأنوثتها الطاغية وُجدت ميتة في سريرها تاركة رسالة تقول فيها أنها قد ملت الزيف الذي طال جسدها وأنها تود لو كانت شيئا حقيقيا غير تلك الدمية التي صنعتها هوليوود. روبن ويليامز الممثل الكوميدي الأمريكي الشهير الذي رحل دون أن يترك رسالة سوى معايدة بسيطة لابنته، كان الرجل الذي روح عن مئات الملايين من الناس وأضحك مئات الملايين وكان كل فيلم من أفلامه رسالة بالغة في القيم والعبر: مات بعد أن عرف أنه وإن استطاع أن يضحك مئات الملايين إلا أن لا أحد كان هناك من أجله. آرنست همنجواي انتحر بعد أن عرف أنه مُقاد إلى حياة لن يستطيع أن يضيف إليها شيئا فمات بعد أن ترك صرحا من الأدب يخلد ذكره، كذا الأمر بالنسبة إلى فرجينيا وولف التي عرفت أنّ مرضها العصبي سيمنعها عن القراءة والكتابة ففضلت الموت على أن تعيش نصف حياة…

“حينما تعطيك الحياة سببا لتيأس، أعطها ألف سبب للإستمرار، لا شيء أقوى من إرادة الإنسان على هذه الأرض” هكذا يقول ديل كارنيجي. كل من رحلوا تركوا رسالة عبر رحيلهم، هناك من انتحر قهرا وهناك من انتحر خوفا وغيرهم من انتحر اكتفاءا. تعددت الأسباب ولكن الانتحار في حد ذاته لا يعتبر عملا شجاعا إلا في العوالم العربية التي تقدّس ثقافة الموت وتخشى ثقافة الحياة…

إننا نكتب لنذكر بهذا الشاعر حينما نسيه الجميع، نكتب ما لم نكتبه منذ سنة خلت. نكتب بعد أن خلت صفحات الفايسبوك من ذكره ومن تداول نصه الأخير: لأننا ندرك قيمة الكلمة في التغيير، وقيمة الذكرى في التعبير.

نضال كان يستطيع أن يكون شاعرا معروفا، كان يستطيع أن يغير واقعه، كان يستطيع أن يكون أقوى من واقعه.

نحن هنا لا لنحكم عليه، ولا لننصب أنفسنا قضاة، نحن نذكر بهذا الشاعر فقط كي لا يولد نضال آخر يقضي على حياته من أجل سبب لا يرقى إلى قيمة حياته.

نعم، هذا المجتمع تعمه الرداءة، نعم الساسة يسرقوننا، والفُساد ينهبوننا، الإحباط يسكننا والإكتئاب يلهو بنا، الواقع يكتسي لونا رماديا قاتما ولكن كل هذا في عرفنا ليس سببا للإنتحار: هو سبب للمقاومة، هو سبب للإستمرار، هو سبب للنضال…

في الذكرى الأولى لوفاة نضال نقول له ما لم نقله منذ سنة: لقد رحلت وتركت أحرفا لا تموت. رحيلك هو أمر لا مفرّ منه إذ لن نستطيع أبدا أن نُرجعك من العالم الآخر، لقد صرت ذكرى طيبة للبعض ومؤلمة للبعض، وتلك النصوص القصيرة وكل ما دونته في حياتك ظل شاهدا يقول: نضال مرّ من هنا ولن يعود…

لقد رحلت يا صديقي ولكن العديدين لن يرحلوا مثلك. عليك الرحمة أينما كنت، وعلينا اللعنة إن كنا سنستسلم قبل أن نغيّر عفن هذا الواقع، وقبل أن نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة…

فريق راديوشن

غادة بن صالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *