أحمد ياسين: شوك الصبار هو طريقتي لتجسيد وجع وطني!

تساءل محمود درويش في يوم ما، وبين عتبات قصيدة: “ماهو الوطن؟ ليس سؤالا تجيب عنه وتمضي. إنه حياتك وقضيتك معا”. أن تكون منتميا إلى وطن ما فهذا ما وجدت عليه نفسك منذ أن ولدت. أنت لم تختر أين تولد وكيف ومتى، ولكن الإنتماء إلى قضيته أمر يكون باختيارك وحدك لا باختيار أي شخص آخر.

حوارنا اليوم مع فنان من وطن يثير في العالم العربي ومازال شتى المشاعر المتناقضة لأنه وطن حامل لقضية هي أم القضايا. ولأنه أيضا وطن مازال ولادا بفنانيه ومبدعيه رغم وقوعه تحت سيطرة الإحتلال. هو أحمد محمد كامل ياسين من فلسطين، ولد في مدينة نابلس سنة 1995، حصل على درجة البكالوريوس في (الرسم والتصوير الزيتي) بدرجة امتياز من كلية الفنون الجميلة في جامعة النجاح الوطنية- نابلس 2016، ويعمل حالياً استاذ مساعد في نفس الكلية.

شارك في عدة ورشات ومعارض جماعية محلياً من بينها: معرض ( من أجل المستقبل) في Gallery فندق الجدار- بيت لحم، ومعرض فضاءات في Gallery ارت سين- رام الله، ومعرض آخر باسم صمود في Gallery كلية دار الكلمة- بيت لحم، معرض في المعهد الثقافي الفرنسي- نابلس، وعدة معارض كلية الفنون الجميلة، بالإضافة إلى معرض الفنانون الشباب في Gallery المحطة- رام الله.

لم يقتصر نشاط أحمد على المستوى الإقليمي أو الجهوي لوطنه فحسب بل شارك أيضا في تظاهرات دولية مثل ورشة عمل عن يوم التضامن الفلسطيني في مكسيكو سيتي- المكسيك، وورشة عمل ومعرض ( السلام والتسامح) في قليبية- تونس، بالإضافة معرض مجموعة ايماجوموندي- ايطاليا.

يحدثنا أحمد عن عشقه للرسم كيف بدأ فيقول: “عن هواية الرسم ، كانت البداية عبارة عن خربشات ورسومات بالابيض والاسود في سن 12. وبعد الانتهاء من مرحلة الثانوية التحقت بكلية الفنون الجميلة لتنمية الموهبة ولدراسة الفن كعلم قائم بذاته.
بالرغم من كون التجربة والممارسة هي أفضل أستاذ إلا أنّ للمعلم دور كبير في صقل الموهبة لدى الطالب وتوجيهها نحو المسار الصحيح من خلال تزويده بمراجع فنية، إشراكه في الحلقات والمسابقات والندوات الفنية والثقافية، وتشجيعه على الاستمرار في نشاطه الفني…”
نسأل أحمد عن الصور التي نراها متداولة منذ أشهر عبر شبكات الانترنت والتي أثرنا تسميتها بمشروع فن الصبار فيخبرنا: “إن الصبار بالنسبة لي هو أيقونة النصر، هنا بدأت أبحث عن سطح وأرضية تجسد معنى الصبر والصمود.
نبتة الصبار تمثل نبتة الثبات والمواصلة. هي رمز النصر والتحمل والمقاومة: كل هذه القيم التي تجسد ما يعيشه وطني يوميا. صمود الشعب الفلسطيني على الظلم والتشريد منذ النكبة وحتى يومنا هذا، جعلني أفكر أن فنّي ينبغي أن يعبر عن هذا الصمود وأن ما أفعله يجب أن يكون شاهدا على أحقيته بهذه الأرض وأنه شعب عصي على الإنكسار.
عند مشاهدة حالة الوجع الانساني من قتل وتدمير بحق الانسان العربي والفلسطيني ، أندفع للتعبير عن غضبي بالرسم على نبتة الصبار التي تذكرنا بالصبر والصمود، حيث أشعر كما لو أنّ بداخلها شيء ما يريد أن يخرج، كما قال الشاعر محمود درويش( نزرع حيث أقمنا نباتاً سريع النمو ونحصد حيث أقمنا قتيلاً).
بالإضافة إلى الصفات الفيزيولوجية لهذه الشجرة، فالصبار يتسم بقدرة عجيبة على تحمل أشعة الشمس، إذ تنكمش خلاياه ومن ثم يعيد بناء نفسه بفضل المياه المخزنة في أليافه، فالصبر لاينتظر سقوط المطر، بل يلائم نفسه بنفسه مع الظروف الخارجية، بالإضافة الى شكله الخارجي الذي يساعده على النمو المتواصل والمتجدد….”
نستفيض أكثر مع أحمد حول طريقة رسمه على الصبار فيخبرنا: “تختلف طريقة الرسم على الصبار عنها عن طرق الرسم على القماش والسطوح الأخرى. فلامجال للخطأ خاصة عند رسم الخطوط الأولية.
قبل الرسم على ألواح الصبار، أقوم بعمل دراسات للفكرة ، ثم انتقل لتطبيق العمل على أرض الواقع .
في بداية تجربة الرسم على الصبار كنت أستخدم ألوان الاكريليك (acrylic) إلا أن هذه الألوان تأثرت بعد فترة بظروف الطقس ، فبدأت أبحث عن خامة تنسجم مع صفات نبتة الصبار ( الديمومة والخلود والثبات) فاستخدمت الألوان الزيتية، وعن العمل الأخير ( تحت أنقاض الصبار) اتجهت إلى النحت بالطين ومن ثم صبه بالاسمنت (خامة الابنية المنهارة).
حالياً أنا في مرحلة لتجربة جميع الأدوات والخامات للوصول إلى أسلوب خاص…”
تواصل الحوار بعد ذلك للتطرق إلى العقبات التي واجهها أحمد في سبيل ممارسة فنه فأستفاض بالحديث قائلا: ” أغلب العقبات تمثلت في تقيد حركة الفنان والإنسان الفلسطيني بفعل الاحتلال الاسرائيلي. أنا أنتمي إلى هذا الوطن المعذّب ورؤيتي يوميا لمشاهد التدمير والاحتجاز وغلق الطرقات والقتل بحق ابناء شعبي تجعلني أعاني نفسيا وبطريقة دائمة. هذه المعاناة أجسدها عبر فني الذي ينقل قليلا مما أحسه: الغضب، الحنق، الألم، الثورة، والأمل أيضا. هناك عقبات جميلة تواجهني عند الشروع بعمل فني جديد تتمثل في تلك المخاوف من ألا يكون عملي في المستوى ولكني سرعان ما أتجاوزها ما أن أبدأ برسم خطوطي الأولى على النبتة. ولا أستطيع أن أنكر طبعاً دور أهلي وأساتذتي وأصدقائي من الفنانين في تشجعي على تنمية موهبتي والاستمرار بها. بالإضافة إلى تفاعل الجمهور من كافة أنحاء العالم مع أعمالي على نبتة الصبار، كل هذا منحني حافزا كبيرا وطاقة جبارة كي أواصل في عملي وأستكمل هذه الرسالة. أتمنى أن أوصل رسالة الصبار الى كل العالم كما وأتطلع مستقبلاً لاستكمال دراساتي العليا في مجال الفن المعاصر. وحدها المعرفة هي ما ستجعلني أفضل وأكثر إبداعا فيما أفعله…”
ختاما نشكر هذا الفنان الشاب الذي شاركنا هذا الحوار الشيق من أرض الصمود فلسطين، الوطن الذي يعيد بناء شتاته كالصبار تماما. الوطن الذي مهما قست عليه الظروف المحيطة ومهما كان ما عاناه وما سيعانيه بقي صامدا كأشجار زيتونه وبرتقاله، كرسوم حنظلة على جدرانه، كألوان وشاحه المميز الذي وصل لكل العالم وكأبنائه الذين ينتمون إليه ويعبرون عن عشقهم له بكل ما يفعلونه. “لنا الفن كي لا يقتلنا عفن الواقع، لنا الفنّ كي نضيف إلى الحياة شيئا من الحياة…”
فريق راديوشن
غادة بن صالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *