منذ أربعة وستين سنة استقلت تونس تماما عن الحماية الفرنسية وأصبح من حق هذا الشعب أن يقرر مصيره بنفسه. غدت تونس دولة حرة ومستقلة، دولة تشق طريقها بين الدول الأخرى، تثبت وجودها وتربي أجيالها جيلا بعد جيل.

ولكن السؤال الذي يجب أن نطرحه دائما: بعد الاستقلال الذي كسب بالتضحيات والدموع والدماء، هل استقلت تونس فعلا عن العدو الحقيقي؟

عالم اليوم هو نفس عالم الماضى القريب والبعيد، لكن أزمتنا أننا لا نريد أن نفهم ولا نريد أن نتعلم، تحركنا الشعارات ونتعامل فقط بظواهر الأمور، من داخلنا من تخيل أن القوى الدولية معنية بتطبيق حرية وديمقراطية، من داخلنا من سعى بعلم وبدون علم للاستعانة بهذه القوى ويتحول كأداة فعلية لتدمير دولته عن جهل وعن تبعية مطلقة للآخر،

طوال سنوات بعد الاستقلال تشبثت تونس بالإرث البورقيبي الذي تمثل في « شبه الثورة الإصلاحية » –ونقول شبه هنا لأن الثورة لم تكتمل وبقيت منقوصة رغم نيتها الحسنة- التي طالت المرأة وقطاع الصحة والتعليم. بعد صدور مجلة الأحوال الشخصية وإرساء منظومة من الحقوق والقوانين وتهيئة البنية التحتية للاهتمام بقطاع الصحة والتعليم توقفت تونس عن التطور وبقيت مكتفية بما لديها إلى أن نصّب بورقيبة نفسه رئيسا مدى الحياة ثم إلى حين حدث الإنقلاب الناعم الذي ترتب عنه تقلد جنراله الرئيس المخلوع السابق لمقاليد الحكم في البلاد.

طوال عقود ظلت تونس تتبع نفس المنهج القديم: البيروقراطية في الفعل ثم انتظار تطبيق النماذج في الغرب واستيرادها إلى أرض الوطن. مئات المشاريع التي تطال العديد من الميادين ظلت منقوصة غير مكتملة لا لشيء إلا لأنها بدأت في الغرب ولم تنته لإثبات فشلها، فتركناها مفتوحة لدينا لأننا نعجز عن إنهائها أو تغييرها بشيء جديد.

وقد أثبتت الثورة التونسية ذلك بوضوح، إذ كشفت أن المجتمع التونسي في جوهره قائم على عدة أسس متناقضة ومختلطة ومتعارضة م جعله المزيج الهجين الذي نعرفه الآن.

فمن جهة يتشبث المجتمع بأنه مسلم متدين ومحافظ، ولكنه علماني متفتح. وهو في نفس الوقت يحترم المرأة ولكنه لا يكنف من اتهامها بأنها السبب في أي كارثة تحدث سواء كانت أخلاقية أو غيرها. يدعي أنه مجتمع غير ذكوري ولكن مازالت المحادثات في المقاهي تدور حول ملاحم غرف النوم والتباهي بالغزوات الحمراء. التحدث في الجنس وتثقيف الأجيال القادمة هو أمر محرّم ولكن المجاهرة بألفاظ تنتمي إلى الجزء السفلي من الجسد علنا وفي حضور الأسر والأطفال هو أمر محمود. أشهر الأمثال الشعبية تسخر من الدراسة والتعليم وأغلب منابر الإعلام تمرّر الرداءة والفراغ المطلق. يمكن أن نصف مجتمعنا –للأسف- على الرغم من « التطور » الذي يدعيه أنه « مجتمع لا يهمه الجائع إلا إذا كان ناخبا ولا يهمه العاري إلا إن كان امرأة » كما قال جلال عامر.

مئات الظواهر والرموز توالدت بعد الثورة لتحتل الساحة وتصبح هي المتحكمة بالعقول وفي نفس الوقت ظلت تونس في نفس المكان من حيث التنمية والتطور والاقتصاد وحتى الاشعاع الخارجي: لا جديد يذكر وكلّ القديم يعاد.

هذه التناقضات ليست إلا شيئا صغيرا لا يكاد يذكر من خضم الأشياء التي يغرق فيها المجتمع التونسي والتي تنطلق جميعها من عدو واحد لا شقيق له: الجهل

ويعني الجهل حسب التفسير البسيط هو اختفاء العلم بالشيء عن الشخص. وينقسم إلى ثلاثة أنواع: الجهل البسيط وهو فهم مسألة دون إحاطة كاملة، والجهل الكامل وهو عدم العلم بالشيء والجهل المركب وهو ما يتغلغل في مجتمعنا اليوم ويعني الاعتقاد القاطع والمطلق بما يخالف حقيقة الأمور ونشر ذلك الاعتقاد بين الآخرين.

يقول افلاطون أن « الجهل هو أصل كل شرّ » فإذا طبقنا هذه المقولة على مجتمعنا اليوم لوجدنا أن كل الشرور تأتي من الجهل. لا عالم يصبح إرهابيا أو قاتلا أو غاصبا. العلم لا ينتج المكبوتين والخرافات. العلم لا يفرّخ الأوهام والمحدودية. وهذه الحرية التي نحتفل بها رمزيا لن تبدأ فعلا إلا حينما ينتهي الجهل كما قال فيكتور هيجو.

حين تستثمر الدولة في كتابها وفنانينها وناشطيها وعلمائها ومبدعيها ولا تتعامل مع العلم والثقافة كميادين موسمية تنتهي بانتهاء الدراسة أو موسم المهرجانات الصيفية. وحينما تراهن على طاقاتها الداخلية وتوفر لهم ما يلزمهم: حقوقهم وأرضهم والاحترام الذي يستحقونه كي يبقوا هنا ولا يشعوا خارجا، وحينما تدافع عن كل عقل وتحمي كل فكرة وتراهن على كل إنسان حينها فقط يمكن أن نقول أننا قد حققنا الاستقلال وتحررنا فعلا من العبودية.

فريق راديوشن _ غادة بن صالح

الصورة لملاك الفقيه

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا