الجداريات : إرث قديم و فن حديث خارج القانون

إن نظرنا في علاقتنا بالجدران سنجدها أكثر علاقتنا الوطيدة ، فالجدار هو الصديق الذي نتكئ عليه في لحظات التعب ، من نعلق عليه صورنا و آمالنا ، يحاوط صمتنا و وحدتنا و إذا أردنا التعبير عن الضجر و العزلة لن نجد أصدق من عبارة ” بين أربعة جدران ” هو منصة المشردين و السكارى منصة الإنسان  ليكتب شيئًا ويمضي

منذ فترة لفت إنتباهي مشاهد لعبارات مكتوبة عن الجدارن ، منها من يعبر عن السخرية من الواقع الإجتماعي ومنها من يعبر عن الثورة و الذاكرة … و منها ما يسمى برسائل الترحيب في الأحياء الشعبية
منذ سنوات كانت الكتابة على الجدران في الشوارع مقتصرة على عبرات تشجيع الفرق الرياضية و شتم  رجال الشرطة حتى جاءت ثورة 14 جانفي و بدأت الجداريات  الثورية تنتشر بكثافة أشهرها ” إرحل ” أو ” ديقاج “
ثم كتابات لتعبير عن الوفاء لقضايا المجتمع و التواريخ العالقة بأذهننا و المرتبطة بأحداث تخص واقعنا ” نيران 14 جانفي مازالت تشتعل ” و ” تعلم عوم ” الشعار الذي اقترن بحادثة وفاة مشجع الإفريقي عمر
البعض منها قد لا يكون مفهوما الا بين أفراد الحي الواحد. و البعض الأخر مألوفا

الكتابة على الجدران تحدي للقوانين و فكرة

من وجهة نظر فلسفية لو دققنا في فعل الكتابة على الجدران نجده فعلا طفوليا ممنوعا من منا لم يكتب على جدار غرفته و نال عقابه من أحد والديه بدعوى أنه يفسد مناخ الرتابة المنزلية هو أيضا فعل ممنوع قانونيا على جدران المؤسسات لكنه يظل مرغوبا من طرف الشباب و وسيلة حرة للتعبير

الجداريات من وجهة نظر أخرى

أغلب المقالات تنناول هذه الظاهرة على أنها سلوك غير حضاري و عبث بجمالية المكان و تطالب بقوانين صارمة لمكافحتها بدعوى أن هناك مفردات و جمل مسيئة لمجموعات معينة و عبرات تخدش الحياء. لكن من وجهة نظر تاريخية يمكن إعتبارها إرثا قديما فهي تشكل أحد السلوكات القديمة التي اتبعتها عدة حضارات منها الفرعونية وسكان شبه الجزيرة العربية كل بلغته الخاصة و التي لها بعد جمالي يعكس ثقافة وتوجها فكريا لهذه المجموعات أو الحضارات. هذا التوجه يكون إما لتخليد حادثة أو تعبير عن مشاغل الإنسان حينها  رغم إختلاف المفاهيم بين ما يسمى بالزخرفة التي ارتبطت بفن العمارة و الكتابة العشوائية أو ما يسمى بالجرافيك المكتوب  لكنهما رغم ذلك يشتركان في العنصر الإبداعي

ومن أشهر الفنانين في هذا المجال، الفنان بانكسي وهو من أشهر رسامي الجرافيتي التعبيري كما أنه يقوم برسم جرافيتي له علاقة بموضوعات سياسية وهو رسام جرافيتي إنجليزي شهير ومجهول في نفس الوقت، كان أول ظهور لرسوماته على جدران بريستول، ولندن وقد أثارت تلك الرسومات العديد من التساؤلات حول شخصه وأفكاره وآرائه وبصورة خاصة صورة الموناليزا وهي تحمل مدفعا رشاشا، الموناليزا التي اتعبرت كرمز مقدس للفن حول العالم بسبب هدوء ملامحها ورقة قسماتها وخاصة الغموض الذي ينبعث منها والذي لم يخفت أثره بمر القرون.

وتقديراً لفنه، حصل بانكسي على جائزة أعظم فنان يعيش في بريطانيا والتي وزعتها قناة أي تي في البريطانية وكما كان متوقعاً لم يحضر بانكسي لإستلام جائزته واستمرت شخصيته مجهولة حتى تلك اللحظة ولا يدري أحد عنه سوي أنه فنان شهير لكن لا يعرف أحد أي شيء عن شخصيته الحقيقية. وبالإضافة لأعماله الكثيرة في غزة، فهو أيضاً شديد التأثر بالأطفال وكثير التعبير عنهم.

الجرافيتي: أقدم أشكال التواصل الكتابي بالرسم والألوان

يعتقد البعض أن فن الجرافيتي بدأ حديثاً في العالم الغربي ولكن الواقع عكس ذلك إذ أن الجرافيتي هو فن معبر عرفه العالم منذ آلاف السنين كأحد أقدم أشكال التواصل الكتابي بالرسم والألوان.

نشأت فكرة الجرافيتي مع عصور ما قبل الميلاد بدأت فكرة الرسم على الجدران تتبلور ولحق بها كثير من التطور بمرور الزمن وقد كانت موجودة بكثافة في عصر الحضارة الفرعونية القديمة وهو ما جعلنا نعرف كثيرا عن التاريخ الفرعوني العريق.

بعد الثورات العربية بدأ الشباب باحتلال الجدران كمساحات واسعة للتعبير خاصة مع تراجع وسائل الإعلام عن تقصي الحقائق والاهتمام بهموم الشعب الذي غرق في الفقر والخصاصة بعد انهيار الأنظمة الديكتاتورية. ولكن الجرافيتي ليس مقصورا فقط على التعبير السياسي بل هو يشمل التعبيرات الفنية والرياضية أيضا.

وقد انتشر فن الجرافيتي إلى حد أنه تأثر بالمسلسلات التي تلقى شعبية واسعة في العالم، إذ انتشرت صور كثيرة توثق أبطالا معروفين مثلوا في مسلسلات شهيرة مثل صراع العروش و”لا كازا دي بابل”. حتى أن المآسي التي تحدث في هذه المسلسلات قد أثرت في فنانين كثيرين ومنهم أشهر صورة رُسمت مؤخرا وهي صورة نيروبي بطلة المسلسل السابق التي قتلت أثناء عملية السطور الأخيرة وصورت في مشهدها الأخير وهي ترتدي فستانا أحمر وتحمل زهرة بيضاء وهي تستمتع بأشعة الشمس بعيدا عن الموت والدماء والخطر. ووصل تأثر المتفرجين بها إلى درجة تسميتها بالزعيمة.


رغم وجود من يقف مترددًا بين إعتبار الجداريات فوضى أو اعتبارها فنًا هناك عدة مقاهي ثقافية إختارت الكتابة على الجدران كنوع من الزينة و تنفرد عن كل أنواع الديكورات المتشابهة
  إن نظرنا الى هذه الظاهرة من منطلق ثقافي وجدنا فيها نوع من الفن الجديد و وسيلة تعبير مختلفة إلا أنها بحاجة لتقنين و العمل الجاد على جعلها فنا مهذبا و مؤطرًا يعكس ثقافة ثورية

 فريق تحرير راديوشن